عاجل عندما يصبح حليب الرضيع حلماً.. من ينقذ أطفال الحساسية؟
عاجل

عندما يصبح حليب الرضيع حلماً.. من ينقذ أطفال الحساسية؟

عندما يصبح حليب الرضيع حلماً.. من ينقذ أطفال الحساسية؟
 

بلقاسم جبار 

ليس من المقبول أن تتحول علبة حليب ضرورية لصحة رضيع إلى سلعة نادرة، ولا أن يجد الأب والأم نفسيهما مضطرين إلى البحث عنها عبر الولايات أو الاستعانة بأقاربهما في الخارج، بينما يظل طفلهما في حاجة يومية إلى غذائه العلاجي.

ما يحدث مع عائلات الرضع المصابين بحساسية بروتين حليب البقر لم يعد مجرد أزمة تموين عابرة يمكن تجاوزها بالصبر والانتظار، بل أصبح قضية إنسانية وصحية تستدعي تدخلاً عاجلاً ومسؤولاً، لأن الأمر يتعلق بأطفال لا يملكون القدرة على التعبير عن معاناتهم، ولا يستطيعون اختيار غذائهم أو الاستغناء عن التركيبات العلاجية التي يحتاجون إليها.

لقد تلقت هيئة تحرير جادت نيوز اتصالات عديدة من مواطنين وأولياء أطفال، آباء وأمهات، يطلبون إيصال أصواتهم وتسليط الضوء على معاناتهم، مؤكدين أن الجهات المعنية على علم بوضعيتهم، لكن واقع الندرة وارتفاع الأسعار لا يزال يلاحقهم، ويحول حياتهم اليومية إلى رحلة بحث مستمرة عن علبة حليب.

أيُّ معنى للحماية الصحية عندما يعجز أب وأم عن توفير الغذاء الضروري لطفلهما؟ وأيُّ جدوى من الحديث عن التكفل الصحي إذا كانت العائلات مطالبة بالتنقل بين الولايات، والبحث لدى الأقارب في الخارج، ومواجهة أسعار تصل إلى 12 ألف دينار للعلبة الواحدة؟

 

 

عندما يصبح حليب الرضيع حلماً.. أزمة تكشف خللاً يستدعي التفسير

ليست كل الأزمات التي تستحق الاهتمام مرتبطة بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، فبعضها يُقاس بحجم المعاناة التي تعيشها العائلات في تفاصيل حياتها اليومية، ولعل ندرة الحليب الطبي المخصص للرضع المصابين بحساسية بروتين حليب البقر واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن ذلك؛ حين يتحول منتج غذائي ضروري لنمو طفل رضيع إلى مادة يصعب العثور عليها، وتصبح رحلة البحث عنه عبئاً يومياً يثقل كاهل الوالدين نفسياً ومادياً.

المسألة هنا لا تتعلق بنوع عادي من الحليب يمكن تعويضه بمنتج آخر، بل بتركيبات طبية متخصصة يحتاج إليها أطفال لا تسمح حالتهم الصحية باستعمال الحليب العادي، وهو ما يجعل انقطاعها عن السوق أكثر من مجرد اضطراب في التموين. فبالنسبة إلى هذه العائلات، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين منتجين، وإنما بتأمين غذاء أساسي يرتبط بصحة الرضيع وسلامته.

وتزداد الصورة قتامة مع تعدد الشهادات التي وصلت إلى هيئة تحرير جادت نيوز من أولياء يعيشون معاناة البحث عن هذه المنتجات، بعدما أصبحت بعض الأنواع، على غرار «Aptamil Pepti Junior» و«Novalac Allernova» و«Modilac Riz»، صعبة المنال في الصيدليات والأسواق. ولم يعد البحث محصوراً في حدود الولاية، بل امتد في حالات إلى ولايات أخرى، فيما اضطر بعض الأولياء إلى الاستعانة بأقارب ومعارف في الخارج لتوفير علب الحليب لأطفالهم.

أما الجانب الأكثر إثارة للقلق، فيتعلق بالأسعار التي قفزت، وفق شهادات بعض العائلات، إلى مستويات مرهقة، إذ تجاوز سعر بعض العلب 6000 دينار، ووصل في حالات إلى 12000 دينار، في وقت يحتاج فيه بعض الرضع إلى علبة كل ثلاثة أيام تقريباً. وهي كلفة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مصروفاً إضافياً عادياً، بل عبئاً متكرراً يضع الأسر أمام خيارات قاسية، بين توفير احتياجات الطفل ومواجهة أعباء الحياة الأخرى.

والأكثر إلحاحاً في هذه القضية هو غياب الوضوح بشأن أسباب الندرة ومصير بعض المنتجات التي كانت متوفرة سابقاً، فضلاً عن التساؤلات التي تطرحها العائلات حول آليات الاستيراد والتوزيع والتكفل بهذه الفئة من الرضع. فحين تختفي مادة طبية غذائية بهذه الأهمية، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام عن مكمن الخلل، وعن مدى نجاعة منظومة المتابعة والتموين، وعن الجهات التي تملك المعطيات الكاملة بشأن وضعية السوق.

إن خطورة هذه الأزمة لا تكمن في نقص علب الحليب وحده، بل في أن العائلات تُترك في مواجهة وضع لا تملك التحكم في أسبابه ولا في مسارات معالجته. فالأب والأم لا يستطيعان تأجيل حاجة رضيعهما إلى الغذاء، ولا يمكنهما انتظار انفراج غير محدد الأجل، كما أن قدرتهما المالية ليست مفتوحة على أسعار تتغير بصورة ترهق ميزانية الأسرة.

ومن هنا، فإن القضية تستحق قراءة تتجاوز حدود الشكاوى الفردية، لأنها تطرح أسئلة جدية حول الأمن الصحي والغذائي للفئات الأكثر هشاشة، وحول مسؤولية ضمان استمرارية توفير المنتجات الضرورية، ومراقبة مسارات توزيعها وأسعارها. كما أن معرفة العدد الحقيقي للأطفال المعنيين بهذه التركيبات الطبية من شأنها أن تساعد على فهم حجم الاحتياج ووضع آليات أكثر فعالية للتعامل معه.

إن ما يحدث يستدعي تفسيراً واضحاً من الجهات المعنية، لا سيما بشأن أسباب الندرة، وحقيقة وضعية التموين، والإجراءات المتخذة لضمان عودة المنتجات إلى الصيدليات بصورة منتظمة. فالمواطن لا يحتاج إلى تطمينات عامة بقدر حاجته إلى معلومات دقيقة ونتائج ملموسة تنعكس على حياته اليومية.

في النهاية، قد تبدو علبة الحليب مجرد منتج على رفوف الصيدليات بالنسبة إلى البعض، لكنها بالنسبة إلى عائلة لديها رضيع مصاب بالحساسية تعني الكثير؛ تعني راحة طفل، وطمأنينة والدين، واستقرار أسرة أنهكها البحث والقلق. وعندما يصبح توفير غذاء الرضيع معركة يومية، فإن الأمر لم يعد شأناً عائلياً خاصاً، بل قضية إنسانية وصحية تستحق أن تكون في صدارة الاهتمام العام.

 

 
 
مرتبط

فيديوهات ذات صلة

جارٍ التحميل...