سايحي يضع راحة المواطن معيارًا للرقمنة.. فمتى تخرج خدمات الصحافة الإلكترونية من الشاشة إلى المرفق العمومي؟
بقلم: بلقاسم جبار
عندما تحدث وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي، عبد الحق سايحي، عن التحول الرقمي، توقف عند نقطة جوهرية تستحق التوقف عندها: نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد الخدمات والمنصات فقط، وإنما بمدى راحة المواطن وتقليص تنقله إلى الإدارات والشبابيك.
وهنا يبرز السؤال: هل الرقمنة التي نريدها هي مجرد تحويل الخدمة من الورق إلى الشاشة، أم أن الهدف الحقيقي هو أن تصل الخدمة إلى المواطن أينما كان؟
لنأخذ الإشهار الإلكتروني عبر الصحافة الإلكترونية مثالًا بسيطًا.
فاليوم يستطيع المواطن أو المؤسسة إرسال الإعلان من الهاتف إلى صحيفة إلكترونية، ومتابعة عملية النشر، ثم الحصول على وثيقة تثبت نشر الإعلان إلكترونيًا، دون الحاجة إلى التنقل إلى مقر الجريدة أو البحث عن وكالة إشهارية.
هذه هي الرقمنة التي يشعر المواطن بأثرها مباشرة: وقت أقل، تنقل أقل، وإجراءات أبسط.
لكن الإشكال لا ينتهي عند إنجاز الخدمة إلكترونيًا، بل يمتد إلى مرحلة الاعتراف بنتيجتها.
فوثيقة إثبات نشر الإعلان الإلكتروني لا تزال تواجه، ميدانيًا، تفاوتًا في طريقة التعامل معها من إدارة إلى أخرى، وهو ما يطرح الحاجة إلى إطار واضح وموحد يحدد كيفية اعتمادها والتحقق منها.
وهنا، في رأيي، الكرة اليوم في ملعب وزارة الداخلية والجماعات المحلية، باعتبارها قطاعًا محوريًا في عصرنة المرفق العمومي المحلي، لتوحيد الرؤية وإصدار توجيهات واضحة إلى الولايات والدوائر والبلديات، بما يسمح باعتماد الإعلانات المنشورة عبر الصحافة الإلكترونية المعتمدة، وقبول وثائق إثبات نشرها لدى مختلف الهيئات العمومية، وفق ضوابط وآليات تحقق واضحة وموحدة.
المسألة هنا ليست تجاوز الإجراءات القانونية، ولا منح امتياز خاص لصحيفة دون أخرى، وإنما رقمنة الإجراء نفسه، مع الحفاظ على كل الشروط وآليات التحقق التي تضمن للإدارة صحة الإعلان ووثيقة نشره.
فلا يعقل أن نقول للمواطن: «أنجز خدمتك من بيتك»، ثم نطلب منه بعد ذلك التنقل إلى الإدارة لتقديم وثيقة إلكترونية، أو نجعله أمام إجراءات مختلفة من ولاية إلى أخرى.
إذا كانت راحة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح الرقمنة، كما أكد وزير العمل، فإن توحيد تعامل الإدارات مع خدمات الصحافة الإلكترونية ووثائق إثبات النشر يصبح خطوة ضرورية حتى لا تتحول الرقمنة إلى خدمة ناقصة تنتهي عند أبواب الإدارة.
المطلوب اليوم ليس فقط زيادة عدد الخدمات الرقمية، وإنما بناء منظومة متكاملة: إرسال إلكتروني، معالجة إلكترونية، نشر إلكتروني، وثيقة رقمية قابلة للتحقق، واعتراف إداري واضح بها.
وهذا لا يخدم المواطن وحده، بل يخفف الضغط عن الإدارة، ويقلل استعمال الورق، ويختصر الوقت والتكاليف، ويجعل المرفق العمومي أكثر سرعة وفعالية.
لقد أصبح المواطن قادرًا على إنجاز كثير من معاملاته من هاتفه، ومن حقه أن ينتظر أن تواكب الإدارة هذه التحولات، لا أن تعيده في آخر الطريق إلى الإجراءات التقليدية.
فالمواطن يضغط زرًا من بيته.. فلماذا نطلب منه أن يقطع الطريق إلى الإدارة؟
وإذا كانت الدولة قد اختارت الرقمنة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة توحيد التعامل مع مخرجاتها، حتى لا تختلف قيمة الوثيقة الإلكترونية باختلاف المكتب أو الولاية.
فالرقمنة الحقيقية ليست أن نضع الإدارة داخل الهاتف، بل أن نُخرج المواطن من طوابير الإدارة.




