بلقاسم جبار
سلّط الباحث الجزائري في مجال معالجة اللغة الطبيعية والذكاء الاصطناعي، الدكتور عبد المالك بوعلام، الضوء على الإمكانات التي تتيحها تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل آراء وملاحظات زبائن المؤسسات السياحية والفندقية، مؤكدًا أن الاستفادة من البيانات التي ينتجها العملاء يمكن أن تشكل أداة مهمة لتحسين جودة الخدمات ودعم عملية اتخاذ القرار في قطاع السياحة.
وجاء ذلك خلال مداخلة قدمها الدكتور بوعلام بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للسياحة، الذي احتضنه فندق الجزائر بالعاصمة، إلى جانب أربع مؤسسات فندقية أخرى بكل من العاصمة وبوسعادة، حيث تناول أهمية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في قراءة وتحليل تجارب الزبائن وتحويل ملاحظاتهم إلى مؤشرات تساعد المؤسسات السياحية على تطوير أدائها والاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات زبائنها.
وكان العرض بعنوان «التحليل الآلي لآراء العملاء في مجال السياحة باستخدام الذكاء الاصطناعي»، تناول من خلاله الباحث عدداً من التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية، مع الانتقال إلى كيفية توظيف هذه التقنيات في قراءة وتحليل ما يكتبه أو يعبر عنه الزبائن بعد استفادتهم من خدمات الفنادق والمطاعم ووسائل النقل وغيرها من الخدمات السياحية.
وأوضح العرض أن تحليل ملاحظات العملاء أصبح أكثر أهمية مع الارتفاع الكبير في حجم البيانات، إذ يمكن للمؤسسات الاستفادة من هذه الآراء في تحديد نقاط القوة والضعف، ورصد النقائص المسجلة في الخدمات، ثم الاستناد إلى النتائج لاتخاذ قرارات مرتبطة بالتحسين أو الإضافة أو التغيير.
وفي قطاع الفندقة تحديداً، أشار العرض إلى أن الأساليب التقليدية تعتمد على استبيانات رضا الزبائن، غير أن الجزء المكتوب باللغة الطبيعية من هذه الاستبيانات لا تتم الاستفادة منه دائماً بالشكل الكافي، أو تتم معالجته يدوياً، وهو ما يجعل تحليل آلاف أو ملايين الآراء آلياً أحد المجالات التي يمكن أن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتقوم تقنيات تحليل المشاعر والآراء والعواطف على معالجة النصوص التي يقدمها العملاء واستخراج المعلومات المتعلقة بالموضوع الذي يتحدثون عنه، والجانب أو الخدمة المعنية، وطبيعة الشعور، إضافة إلى العبارة التي تبرر تصنيف الرأي. ويمكن، وفق العرض، تطبيق هذه المنهجية على عناصر متعددة داخل الفندق، من بينها نظافة الغرف، راحة الأسرة، مستوى الخدمة، تعامل الموظفين، موقع الفندق، الأسعار، وخدمات الإطعام.
ويقدم العرض مثالاً تطبيقياً يوضح كيف يمكن لنظام آلي تحليل ملاحظة واحدة لنزيل فندق واستخراج عدة مؤشرات منها في الوقت نفسه، مثل الإشادة بالنظافة وحسن الاستقبال، مقابل تسجيل ملاحظات سلبية تتعلق بالضوضاء والسعر وبعد الفندق عن المطار، وصولاً إلى تكوين صورة إجمالية عن تجربة العميل.
ولا يتوقف دور التحليل الآلي عند تصنيف آراء العملاء، إذ يطرح العرض إمكانية الانتقال إلى مرحلة اقتراح الإجراءات بناءً على نتائج تحليل آلاف أو ملايين الآراء، مثل مراجعة أسعار الإقامة، تحسين استقبال الزبائن، تعزيز مستوى النظافة أو تطوير خدمات المطاعم، بما يسمح للمؤسسة بالتعامل بصورة أسرع وأكثر انتظاماً مع الملاحظات المتكررة.
وتبرز خصوصية إضافية في الحالة الجزائرية، حيث يستخدم العملاء مزيجاً لغوياً متنوعاً يجمع بين العربية الفصحى والدارجة والفرنسية والإنجليزية، إلى جانب «Arabizi»، أي كتابة العربية باستخدام الأحرف اللاتينية. ويرى العرض أن تطوير نماذج فعالة لتحليل هذه الآراء يتطلب تدريباً على اللغة كما يستخدمها العملاء فعلياً، إلى جانب عمليات متكررة لوسم البيانات وتعليم النماذج.
وفي جانب آخر، تطرق العرض إلى تحليل العواطف، باعتباره مجالاً يهدف إلى تحديد وفهم ردود الفعل العاطفية لدى الأشخاص انطلاقاً من البيانات النصية أو الصوتية أو المرئية أو السلوكية، مع إمكانية رصد مشاعر مثل الفرح والحزن والغضب والهدوء والخوف والمفاجأة والاشمئزاز.
وعلى مستوى السياحة الجزائرية، طرح العرض مجموعة من المحاور التي يمكن أن تساهم في تعزيز القطاع، من بينها تطوير البنية التحتية، وتحسين الفنادق ووسائل النقل والطرق، وتكوين الإطارات والعمال في المهن السياحية واللغات، إلى جانب تحسين شبكات الهاتف النقال والإنترنت والاستفادة من تكنولوجيات الإعلام والاتصال والذكاء الاصطناعي.
كما شدد العرض على أهمية الاستفادة من آراء وبيانات العملاء في تطوير الخدمات السياحية الجزائرية، إلى جانب إمكانية تطوير خدمات رقمية تعتمد اللغة الجزائرية، بما يتلاءم مع طبيعة الاستخدام اللغوي المحلي ويساعد على بناء أدوات أكثر قدرة على فهم الملاحظات والتجارب التي يقدمها الزبائن.
وتكشف هذه المقاربة عن اتجاه متزايد نحو استخدام الذكاء الاصطناعي ليس فقط لمعالجة كميات كبيرة من المعلومات، وإنما لتحويل آراء العملاء إلى بيانات قابلة للتحليل والاستفادة منها في تحسين الخدمات، وهو ما يفتح أمام قطاع السياحة في الجزائر مجالاً لتطوير أدوات رقمية تساعد المؤسسات على فهم احتياجات الزبائن والاستجابة لها بصورة أكثر سرعة ودقة.




