كتب بلقاسم جبار
تأتي المناسبات الوطنية الكبرى لتعيد ترتيب الذاكرة الجماعية، ليس من باب استحضار الماضي فحسب، وإنما لاستلهام الدروس التي تصنع المستقبل. ومن هذا المنطلق، يحتل اليوم الوطني للجيش الوطني الشعبي مكانة خاصة في الوجدان الجزائري، لأنه يجسد استمرارية مؤسسة ولدت من رحم ثورة التحرير المجيدة، وحملت منذ الاستقلال مسؤولية الدفاع عن الوطن، وحماية سيادته، وصون وحدته الترابية، ومرافقة الدولة في مختلف مراحل البناء والتطور.
لقد أثبتت التجربة الجزائرية، على امتداد أكثر من ستة عقود، أن قوة الدول لا تُقاس بحجم إمكاناتها العسكرية فقط، وإنما بصلابة مؤسساتها، وتلاحم شعبها، وقدرتها على مواجهة الأزمات والتحديات مهما كانت طبيعتها. ومن هنا، ظل الجيش الوطني الشعبي يؤدي مهامه الدستورية في إطار عقيدة وطنية ثابتة، تستند إلى الوفاء لتضحيات الشهداء، والالتزام بحماية الجزائر واستقلال قرارها وسيادتها الوطنية.
واليوم، وفي ظل عالم يشهد تحولات متسارعة وصراعات متشابكة وتهديدات عابرة للحدود، أصبحت حماية الأمن الوطني مسؤولية تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الجاهزية العسكرية، والتطور التكنولوجي، واليقظة الاستخباراتية، والتنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة. وقد نجحت الجزائر في بناء منظومة دفاعية متماسكة، جعلت من حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للجريمة المنظمة، وتأمين الفضاءين السيبراني والاقتصادي، محاور متكاملة ضمن مفهوم حديث للأمن القومي.
ولم يعد دور المؤسسة العسكرية يقتصر على أداء مهامها الدفاعية التقليدية، بل أصبح شريكًا في دعم التنمية الوطنية، من خلال تطوير الصناعات العسكرية، وتشجيع البحث العلمي، وتوطين التكنولوجيا، ورفع نسب الإدماج الصناعي، وتكوين كفاءات وطنية قادرة على مواكبة الثورة الصناعية والرقمية. وهي خيارات استراتيجية تعكس إرادة الدولة في بناء اقتصاد أكثر استقلالية، وتقليص التبعية للخارج، وتعزيز الأمن الاقتصادي باعتباره أحد أعمدة السيادة الوطنية.
وفي الوقت ذاته، أثبت الجيش الوطني الشعبي حضوره الإنساني في مختلف الظروف الاستثنائية، سواء خلال مكافحة الحرائق والفيضانات والكوارث الطبيعية، أو عبر عمليات الإجلاء والإغاثة والدعم اللوجستي، في مشاهد جسدت المعنى الحقيقي لرابطة "جيش – أمة"، تلك العلاقة التي لم تُبنَ بالشعارات، وإنما بالتضحيات والعمل الميداني والثقة المتبادلة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع.
إن ما يميز الجزائر اليوم هو أنها اختارت الاستثمار في الإنسان والمؤسسة معًا، فكل خطوة نحو تحديث الجيش هي استثمار في أمن المواطن، وكل مشروع لتطوير الصناعات الدفاعية هو لبنة جديدة في بناء اقتصاد المعرفة، وكل نجاح في حماية الحدود هو ضمان لاستمرار التنمية والاستقرار. لذلك، فإن الأمن لم يعد غاية في حد ذاته، بل أصبح شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية، وجذب الاستثمار، وحماية المكتسبات الوطنية، وصناعة المستقبل.
وفي هذه المناسبة الوطنية، لا تقف الجزائر عند حدود الاحتفاء بالماضي، بل تؤكد تمسكها بخيار بناء دولة قوية بمؤسساتها، منيعة بوحدتها، وراسخة بسيادتها، قادرة على مواكبة التحولات الدولية دون التفريط في ثوابتها الوطنية. كما تستحضر بكل فخر تضحيات شهداء الثورة التحريرية وشهداء الواجب الوطني، الذين كتبوا بدمائهم صفحات العزة والكرامة، ورسخوا قيم الوفاء والانتماء التي تشكل اليوم أساس قوة الجزائر الحديثة.
ويبقى الرابع من أوت أكثر من مجرد تاريخ في الروزنامة الوطنية؛ إنه رسالة متجددة بأن الجزائر التي انتصرت بالأمس على الاستعمار، قادرة اليوم على الانتصار على كل التحديات، بفضل تلاحم شعبها، وقوة مؤسساتها، واحترافية جيشها الوطني الشعبي، الذي سيظل، كما كان دائمًا، درع الوطن، وحامي سيادته، وسند استقراره، وشريكًا في صناعة مستقبل يليق بتضحيات الأجيال التي صنعت استقلال الجزائر وتحافظ اليوم على أمنها وازدهارها.



