هام إصلاح الجامعة من خلف المكاتب.. عندما تكون الحقيقة على بعد أمتار من الوزير!
هام

إصلاح الجامعة من خلف المكاتب.. عندما تكون الحقيقة على بعد أمتار من الوزير!

إصلاح الجامعة من خلف المكاتب.. عندما تكون الحقيقة على بعد أمتار من الوزير!

 

بلقاسم جبار             

ليست كل الأزمات الجامعية بحاجة إلى لجان تحقيق أو تقارير مطولة لاكتشافها، فبعضها لا يحتاج سوى قرار بالنزول إلى الميدان، وفتح أبواب المؤسسات الجامعية أمام المسؤولين لمعاينة ما يجري داخلها. لكن المفارقة أن تكون المؤسسة المعنية على بعد أمتار قليلة من مقر الوزارة الوصية، ومع ذلك تظل انشغالاتها بعيدة عن دائرة الاهتمام والمتابعة.

هذه المفارقة تفرض نفسها بقوة عند الحديث عن كلية العلوم السياسية ببن عكنون، التابعة لجامعة الجزائر 3، حيث تتوالى شكاوى الطلبة بشأن ظروف التمدرس، وتعثر العملية البيداغوجية، واختلالات التسيير الإداري، في وقت لم تُبرمج فيه، حسب ما أفاد به الطلبة، أي زيارة تفقدية للوقوف على واقع الكلية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد زيارة كان يفترض أن يقوم بها وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بقدر ما يتعلق بفلسفة التسيير ذاتها: هل تُدار الجامعة من خلال التقارير التي تصل إلى المكاتب، أم من خلال المعاينة المباشرة والاستماع إلى الفاعلين في الميدان؟

إن أخطر ما تكشفه شكاوى الطلبة ليس الغبار الذي يغطي محيط الكلية، ولا المكاتب الإدارية المغلقة، ولا حتى الوعود التي لم تجد طريقها إلى التجسيد، وإنما الحديث عن حضور الأساتذة دون تقديم الدروس. فحين يصبح الحضور بديلاً عن أداء المهمة التعليمية، وحين يجد الطالب نفسه داخل مؤسسة جامعية دون أن يتلقى التكوين الذي جاء من أجله، فإننا نكون أمام إشكال يتجاوز حدود التنظيم اليومي إلى صميم وظيفة الجامعة.

فالجامعة ليست بناية تفتح أبوابها صباحاً وتغلقها مساءً، وليست مجرد هياكل إدارية وأسماء أكاديمية، بل هي قبل كل شيء رسالة علمية ومسؤولية مؤسساتية. والطالب الذي يلتحق بمقاعد الدراسة لا يطلب امتيازاً حين ينتظر أستاذه ليقدم الدرس، ولا يطالب بترف حين يريد محيطاً جامعياً نظيفاً وإدارة تؤدي مهامها بانتظام؛ إنه يطالب بأبسط حقوقه.

والمؤسف أن هذه الاختلالات، وفق شهادات الطلبة، تأتي في وقت كانت فيه هناك وعود بتحويلهم إلى جامعة الجزائر 3، وهي خطوة كان يفترض أن تفتح صفحة جديدة في ظروف تمدرسهم. لكن ماذا تغير على أرض الواقع؟ يقول الطلبة إن الأوضاع بقيت على حالها، وإن الوعود لم تنعكس على يومياتهم الدراسية، وكأن تغيير الصفة أو العنوان الإداري وحده كافٍ لحل مشكلات مؤسسة جامعية.

وهنا نصل إلى جوهر الإشكال: الإصلاح لا يتحقق بتغيير التسميات، ولا بإصدار التعليمات، ولا بتقديم الوعود في الاجتماعات الرسمية. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يشعر الطالب بأن هناك من يتابع دراسته، ويراقب انتظام الدروس، ويسأل عن أسباب التعثر، ويحاسب المسؤول عن التقصير عند ثبوته.

أما أن تظل الرقابة حبيسة التقارير الإدارية، وأن تتحول الزيارات الميدانية إلى مناسبات بروتوكولية، فذلك لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الجامعي.

ولعل أكثر ما يجعل قضية كلية العلوم السياسية ببن عكنون محرجة للجهات الوصية هو موقعها الجغرافي؛ فمقر الوزارة لا يبعد عنها سوى أمتار قليلة. إنها مفارقة تختصر سؤالاً أكبر من حدود هذه الكلية: إذا كانت المؤسسات القريبة من مركز القرار لا تحظى بالمتابعة الميدانية المطلوبة، فماذا عن المؤسسات الجامعية البعيدة التي لا تصل أصوات طلبتها بسهولة إلى المسؤولين؟

لسنا بصدد إصدار أحكام مسبقة على أداء الوزير أو إدارة الجامعة، ولا يمكن تحميل مسؤول واحد جميع الاختلالات دون تحديد المسؤوليات، لكن المسؤولية السياسية والإدارية تقتضي أن يكون المسؤول الأول عن القطاع في مقدمة المطالبين بكشف الحقيقة، لا أن ينتظر وصول الشكاوى إليه حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

إن الجامعة الجزائرية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى ثقافة جديدة في التسيير، قوامها الحضور والمراقبة والمساءلة، وإعطاء الطالب المكانة التي يستحقها باعتباره محور العملية التعليمية وغايتها.

فالوزير الذي يريد إصلاح الجامعة عليه أن يبدأ من الجامعة نفسها، لا من مكتبه. والحقيقة التي لا تحتاج إلى لجان ولا إلى تقارير معقدة قد تكون أحياناً على بعد أمتار قليلة من مكتبه

مرتبط

فيديوهات ذات صلة

جارٍ التحميل...