لم تعد المسافات والمواقع الجغرافية مجرد عوامل خلفية في حركة الاقتصاد والسياسة الدولية، بعدما كشفت الحروب واضطرابات الطاقة والتغير المناخي عن هشاشة شبكات التجارة العالمية، وأعادت الممرات البحرية وخطوط الإمداد ومناطق الاختناق إلى صدارة الحسابات الاقتصادية والأمنية.
وتسلط قراءة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز» الضوء على هذا التحول، معتبرة أن عقود العولمة والتطور التكنولوجي أوحت بإمكانية تجاوز القيود التي تفرضها الجغرافيا، قبل أن تعيد الصراعات والاضطرابات الحديثة التأكيد على أن حركة السلع والطاقة ما تزال رهينة بالممرات التي تعبرها.
ويبرز مضيق هرمز كأحد أوضح الأمثلة على ذلك، إذ أظهرت الأزمة الإيرانية أن السيطرة على نقطة بحرية ضيقة يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط ذات تداعيات تتجاوز المنطقة إلى أسواق الطاقة العالمية. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن اضطراب الملاحة في المضيق أدى إلى صدمات كبيرة في أسواق النفط والطاقة، بينما أصبح أمن الممر نفسه جزءًا أساسيًا من الحسابات السياسية والعسكرية.
ولا تتوقف أهمية الجغرافيا عند هرمز؛ فباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس تمثل بدورها حلقات أساسية في شبكة التجارة والطاقة العالمية، وأظهرت التطورات الأخيرة أن أي تهديد لهذه المعابر يمكن أن يغيّر مسارات السفن ويرفع تكاليف النقل والتأمين ويؤثر في تدفقات السلع والطاقة.
وتكشف هذه التحولات عن مفارقة لافتة: القوى التي لا تملك بالضرورة القدرات الاقتصادية أو العسكرية الكبرى تستطيع، بفضل موقعها الجغرافي، امتلاك أدوات تأثير واسعة. فإغلاق ممر أو تهديد طريق تجاري يمكن أن يترك تداعيات على اقتصاديات دول تفوق تلك القوى حجمًا وإمكانات.
وفي الوقت نفسه، بدأ تغير المناخ نفسه يعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية. فالجفاف وتراجع مستويات المياه يمكن أن يربكا حركة النقل النهري ويزيدا تكاليف الشحن، بينما يدفع ذوبان الجليد في المناطق القطبية إلى فتح مسارات بحرية جديدة، ما يجعل المناخ عاملًا متزايد الحضور في حسابات التجارة والأمن والاستراتيجية.
وهكذا لم تعد قضية الجغرافيا مرتبطة بالحروب وحدها، بل أصبحت متداخلة مع الطاقة والمياه والغذاء وسلاسل الإمداد. فالميناء، والمضيق، والقناة، وخط الأنابيب، وحتى مصدر المياه، يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في قدرة الدول على حماية اقتصاداتها ومصالحها.
وترى القراءة التي قدمتها «نيويورك تايمز» أن هذه التطورات تتزامن مع تراجع تدريجي في النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كان التعاون والقواعد الدولية وحرية التجارة عناصر مركزية في إدارة العلاقات بين القوى الكبرى. وفي المقابل، تتزايد اليوم أدوات الضغط والإكراه، وتتراجع الثقة حتى بين أطراف يفترض أنها حليفة.
وتظهر هذه التحولات كذلك في طبيعة القوة نفسها. فإلى جانب النفوذ العسكري، أصبحت نقاط الاختناق الاقتصادية أدوات استراتيجية، مثل النظام المالي وشبكات البنوك والمعادن النادرة وسلاسل التوريد التكنولوجية، بينما تستعيد المواقع الجغرافية التقليدية دورها في فرض معادلات جديدة.
ويفسر هذا السياق جانبًا من أهمية أوكرانيا وتايوان في الصراع الدولي. فالموقع الجغرافي لكل منهما يجعلهما أكثر من مجرد مساحتين محل نزاع؛ إذ ترتبطان بممرات استراتيجية ومواقع بحرية ومناطق نفوذ تؤثر في التوازن بين القوى الكبرى. ويرى محللون، بينهم هال براندز، أن تجاهل العامل الجغرافي خلال العقود الماضية استند إلى افتراضات ثبتت محدوديتها مع عودة الصراع بين القوى الكبرى إلى الواجهة.
ومن هنا يبدو أن العالم يدخل مرحلة تتراجع فيها فكرة أن التكنولوجيا قادرة وحدها على إلغاء أهمية المكان. فالإنترنت يستطيع نقل المعلومات في ثوانٍ، لكن البضائع تحتاج إلى موانئ وطرق ومضائق، والطاقة تحتاج إلى أنابيب وأساطيل، والاقتصادات تحتاج إلى سلاسل إمداد يمكن أن تتعطل بسبب أزمة في منطقة جغرافية واحدة.
وقد يدفع هذا الواقع الدول إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي نفسه، من خلال تنويع طرق التجارة، وبناء بدائل للممرات الحساسة، وتطوير خطوط الأنابيب، وتقليل الاعتماد على مصدر أو طريق واحد. وهذه التحولات قد تعيد، على المدى البعيد، رسم الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية للعالم.
وفي المحصلة، لا يبدو أن الجغرافيا عادت إلى المشهد لأنها اختفت يومًا، وإنما لأن العالم اكتشف من جديد أنه مهما بلغت سرعة التكنولوجيا واتساع العولمة، تبقى هناك أشياء لا يمكن تجاوزها: المكان، والممر، والطريق، والميناء، ومصدر الطاقة.
ولهذا قد يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس فقط من يملك التكنولوجيا أو رأس المال، بل أيضًا: من يسيطر على الطرق التي تعبر من خلالها الطاقة والسلع والموارد؟




