يحظى فيلم "The Odyssey" للمخرج البريطاني كريستوفر نولان باهتمام واسع في الأوساط السينمائية العالمية، ليس فقط باعتباره أحدث أعمال أحد أبرز صناع السينما، وإنما أيضًا بسبب اعتماده على تقنيات تصوير متقدمة، وفي مقدمتها كاميرات IMAX، التي منحت العمل حضورًا بصريًا استثنائيًا.
غير أن الاهتمام بالفيلم تجاوز الجوانب الفنية والتقنية، ليفتح بابًا واسعًا أمام نقاشات فكرية تتناول الكيفية التي تُقدَّم بها الملاحم الكلاسيكية على الشاشة، وما إذا كانت هذه الأعمال تعكس رؤية فنية خالصة أم أنها تعيد إنتاج سرديات تاريخية ارتبطت بالفكر الاستعماري الغربي.
ويرى باحثون أن استحضار الأدب الإغريقي والروماني في الثقافة الغربية لم يكن، عبر مراحل تاريخية مختلفة، مجرد احتفاء بالإرث الكلاسيكي، بل ارتبط بمشروع فكري سعى إلى ترسيخ صورة الحضارة الغربية باعتبارها الوريث الطبيعي للتاريخ الإنساني، وهو ما استُخدم، بحسب هذه الطروحات، لتبرير مفاهيم التفوق الحضاري والهيمنة السياسية والثقافية.
إعادة تشكيل التاريخ
مع توسع القوى الأوروبية في القرن التاسع عشر، وامتداد مشاريعها الاستعمارية إلى مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا، برزت محاولات لإعادة صياغة الرواية التاريخية بما يمنح أوروبا موقعًا مركزيًا في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الحضارات الكبرى التي ازدهرت في بلاد الرافدين، ومصر القديمة، وفارس، والهند، والصين، إضافة إلى الحضارة الإسلامية في الأندلس، كانت تمتلك إرثًا علميًا وثقافيًا عريقًا سبق بقرون صعود أوروبا الحديثة، الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الأكاديمية الغربية إلى إعادة قراءة التاريخ الكلاسيكي ضمن إطار يخدم الرؤية الأوروبية.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الباحثين أن الفكر الاستعماري عمل على فصل الحضارتين الإغريقية والرومانية عن محيطهما الحضاري في شرق البحر المتوسط، وتقديمهما بوصفهما البداية الحصرية للحضارة الأوروبية الحديثة، مع تقليص حجم التأثيرات القادمة من مصر القديمة وبلاد الشام وبقية حضارات الشرق الأدنى.
ويذهب هذا الطرح إلى أن هذا التصور أدى إلى تقسيم رمزي للعالم؛ إذ جرى ربط أوروبا بمفاهيم العقلانية والتقدم، مقابل تصوير مناطق الجنوب والشرق باعتبارها فضاءات للتخلف والجمود، وهي رؤية أثرت في الخطاب الثقافي والسياسي خلال فترات طويلة.
ومن أبرز الأعمال التي تناولت هذه القضية كتاب "أثينا السوداء" للمؤرخ مارتن بيرنال، الذي ناقش ما اعتبره تهميشًا متعمدًا للدور المصري والفينيقي وحضارات شرق المتوسط في تشكيل الحضارة الإغريقية، موضحًا أن صعود النزعات القومية والعرقية في القرن التاسع عشر أسهم في ترسيخ نموذج تاريخي جديد يعزل اليونان القديمة عن جذورها الحضارية المتنوعة.
الأساطير الكلاسيكية بين التوظيف الثقافي والخطاب الاستعماري
يرى عدد من الباحثين أن ما أطلق عليه المؤرخ مارتن بيرنال اسم "النموذج الآري" أصبح الإطار السائد في قراءة تاريخ الحضارة الإغريقية، بعدما حل محل رؤية تاريخية أقدم كانت تعترف بالتأثيرات القادمة من مصر وبلاد الشرق الأدنى. ويستند هذا الطرح إلى كتابات مؤرخين وفلاسفة إغريق، من بينهم هيرودوت وأسخيلوس، الذين أشاروا إلى وجود روابط ثقافية ودينية ولغوية بين اليونان القديمة وحضارات الشرق.
ويذهب أصحاب هذه الرؤية إلى أن التحولات الفكرية التي شهدها القرن التاسع عشر لم تقتصر على إعادة تفسير التاريخ، بل امتدت إلى العلوم أيضًا، حيث نُسبت كثير من النظريات والإنجازات العلمية بصورة حصرية إلى شخصيات إغريقية، مع تقليل حضور الإسهامات العلمية التي قدمتها حضارات بلاد الرافدين ومصر والهند، فضلًا عن الدور الذي لعبته حركة الترجمة والنهضة العلمية في العصر العباسي في نقل التراث الكلاسيكي إلى أوروبا.
كما انعكس هذا التصور على المجالين الثقافي والمعماري، إذ تبنت العواصم الأوروبية الطرازين اليوناني والروماني في مبانيها الرسمية باعتبارهما رمزًا للهوية الغربية. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن تعليم اللغتين الإغريقية واللاتينية في بعض المؤسسات الاستعمارية، ومنها برامج إعداد موظفي الإدارة البريطانية في الهند، كان يُنظر إليه باعتباره وسيلة لترسيخ الشعور بالتفوق الثقافي وتبرير إدارة المستعمرات.
ويرى باحثون أن تأثير هذا الخطاب استمر حتى العقود الحديثة، معتبرين أن بعض القرارات السياسية والثقافية، مثل انضمام اليونان المبكر إلى الاتحاد الأوروبي، حملت بعدًا رمزيًا يعزز فكرة الامتداد التاريخي للحضارة الأوروبية.
قراءة نقدية للملاحم الإغريقية
تتناول دراسات معاصرة ملاحم هوميروس، وعلى رأسها الإلياذة والأوديسة، باعتبارها نصوصًا أدبية يمكن قراءتها من زوايا متعددة، من بينها علاقتها بمفاهيم الحرب والهيمنة والصراع.
ويشير بعض الباحثين إلى أن أحداث الإلياذة تتضمن مشاهد تُبرز الدعوة إلى القضاء الكامل على الخصوم وعدم الاكتفاء بتحقيق النصر العسكري، وهو ما دفع عددًا من المختصين إلى اعتبارها نموذجًا مبكرًا لتصوير العنف الشامل داخل الأدب الملحمي.
أما الأوديسة، التي يستند إليها فيلم كريستوفر نولان الجديد، فتتناول رحلة عودة أوديسيوس بعد سقوط طروادة، وتقدم قصة حصان طروادة باعتبارها مثالًا على الانتصار عبر الحيلة والخداع العسكري، وهي عناصر يرى بعض الباحثين أنها استُخدمت لاحقًا في قراءات تربط النصوص الكلاسيكية بأفكار التوسع والهيمنة.
"الأرض المتروكة" في القراءة التاريخية
ويتوقف عدد من الباحثين عند إحدى محطات الأوديسة التي يزور فيها أوديسيوس أرض السايكلوبس، حيث تصف الملحمة السكان بأنهم لا يمارسون الزراعة وفق النموذج الإغريقي، وهو ما اعتبرته بعض الدراسات أساسًا فكريًا لمفهوم ظهر لاحقًا في الفكر الاستعماري الأوروبي.
ويشير هذا التفسير إلى أن نظرية "الأرض المتروكة" (Terra Nullius)، التي استُخدمت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر لتبرير الاستيلاء على أراضي الشعوب الأصلية في عدد من القارات، استندت إلى فكرة اعتبار الأراضي غير المستغلة وفق المعايير الأوروبية أراضي متاحة للاستحواذ.
كما تقارن بعض الكتابات بين هذا المفهوم وممارسات استيطانية معاصرة، معتبرة أن استخدام تشريعات تتعلق بالأراضي أو الموارد الطبيعية قد يؤدي، وفق هذا الطرح، إلى إعادة تصنيف الأراضي بما يتيح السيطرة عليها وإقامة مستوطنات أو مشاريع جديدة.
السينما وإعادة تشكيل الأسطورة
ويرى نقاد أن السينما الغربية لعبت خلال القرن العشرين والحادي والعشرين دورًا بارزًا في إعادة تقديم الأساطير القديمة وفق رؤية بصرية حديثة، حيث ارتبطت الشخصيات التاريخية والأسطورية بوجوه نجوم هوليوود، وهو ما أسهم في ترسيخ صورة معينة عن تلك الحضارات داخل الوعي الجماهيري.
ويضرب الباحثون أمثلة بأفلام مثل "طروادة"، الذي ارتبطت فيه شخصية أخيل بالممثل براد بيت، إضافة إلى أعمال أعادت تقديم شخصيات مثل كليوباترا وقصص "ألف ليلة وليلة" و"علاء الدين" بصيغ سينمائية غربية، وهو ما يراه بعض النقاد إعادة إنتاج للتراث من منظور ثقافي مختلف عن أصوله.
وفي الإطار ذاته، يواصل فيلم "أوبنهايمر" للمخرج كريستوفر نولان إثارة نقاشات نقدية، إذ يرى بعض الباحثين أن الفيلم ركز بصورة كبيرة على الصراع النفسي والأخلاقي للعالم الأمريكي روبرت أوبنهايمر، مقابل حضور محدود أو غياب شبه كامل لتجارب ضحايا القصف النووي في هيروشيما وناجازاكي، وكذلك المجتمعات التي تأثرت بالتجارب النووية في الولايات المتحدة.
ويعتبر أصحاب هذا الرأي أن هذه المعالجة السينمائية تضع الشخصية الغربية في مركز السرد، بينما تمنح مساحة أقل لروايات الضحايا، وهو ما يراه بعض النقاد امتدادًا لنمط قديم في بناء السرديات التاريخية داخل عدد من الأعمال السينمائية المعاصرة.



