بعد مرور 15 عامًا على وفاة مؤسس «آبل» ستيف جوبز، تبدو الشركة التي تركها في أكتوبر 2011 مختلفة بصورة كبيرة من حيث الحجم، وتنوع المنتجات، ومصادر الإيرادات، وطريقة الإدارة، رغم أن الهاتف الذي كان من أبرز مشروعاته لا يزال يمثل حجر الأساس في أعمالها حتى اليوم.
وتوفي جوبز في 5 أكتوبر 2011، بعد يوم واحد من تقديم «آبل» هاتف iPhone 4S، وبعد أسابيع قليلة من تنحيه عن منصب الرئيس التنفيذي، الذي انتقل إلى تيم كوك في ظل تدهور حالته الصحية. وفي أعقاب وفاته، قالت الشركة إن إبداعه وشغفه شكّلا مصدرًا لعدد كبير من ابتكاراتها.
من تأسيس آبل إلى صناعة ثورة الهواتف
وُلد ستيف جوبز عام 1955 لعائلة أمريكية من أصول سورية، وأصبح لاحقًا أحد أبرز رجال الأعمال والمصممين في تاريخ صناعة التكنولوجيا.
وفي الأول من أبريل 1976، شارك مع ستيف وزنياك ورونالد واين في تأسيس «Apple Computer Company»، قبل انسحاب واين بعد فترة قصيرة. ومن مشروع الكمبيوتر الشخصي بدأت رحلة الشركة التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم.
وغادر جوبز «آبل» عام 1985 عقب خلاف إداري، لكنه عاد إليها سنة 1997 في وقت كانت تعاني فيه من أزمة كبيرة. وخلال عودته، قاد إطلاق مجموعة من المنتجات التي أصبحت علامات فارقة في تاريخ التكنولوجيا، بدءًا من iMac وiPod، ثم iPhone عام 2007 وiPad عام 2010.
من 108 مليارات دولار إلى أكثر من 400 مليار
كانت «آبل» في السنة المالية 2011 تحقق إيرادات تقارب 108 مليارات دولار، مع اعتماد رئيسي على أجهزة آيفون وماك وآيباد وآيبود.
وبعد 15 عامًا، ارتفعت إيرادات الشركة السنوية إلى نحو 416 مليار دولار في السنة المالية 2025، أي ما يقرب من أربعة أضعاف مستواها عند رحيل جوبز.
أما القيمة السوقية، فقد انتقلت إلى مستوى مختلف تمامًا؛ فبعدما كانت في حدود 350 مليار دولار عند انتقال القيادة إلى تيم كوك، تجاوزت لفترة وجيزة 5 تريليونات دولار في يوليو 2026.
وفي الوقت نفسه، أصبحت منظومة الشركة تضم أكثر من 2.5 مليار جهاز نشط حول العالم.
كوك أعاد تشكيل نموذج الشركة
إذا ارتبط اسم جوبز بالابتكار والمنتج والتصميم، فإن خلفية تيم كوك كانت مختلفة. فقد عمل قبل توليه منصب الرئيس التنفيذي مديرًا للعمليات في «آبل»، وتولى ملفات المبيعات والعمليات العالمية وسلاسل الإمداد والتصنيع وإدارة المخزون.
وكانت خبراته السابقة تشمل العمل في شركات مثل IBM وCompaq، وهو ما انعكس على طريقة إدارته للشركة لاحقًا.
وخلال فترة كوك، تحولت «آبل» تدريجيًا من شركة تعتمد بدرجة كبيرة على طرح أجهزة جديدة إلى منظومة متكاملة تسعى إلى إبقاء المستخدم داخل شبكة من الأجهزة والخدمات، تشمل آيفون، وآبل ووتش، وسماعات AirPods، وأجهزة ماك والخدمات الرقمية والاشتراكات.
الخدمات تتحول إلى ركيزة مالية
كانت خدمات مثل App Store وiTunes وiCloud موجودة بالفعل عندما توفي جوبز، لكنها لم تكن تحمل الوزن المالي الذي اكتسبته لاحقًا.
وفي عهد كوك، توسعت الشركة في هذا المجال من خلال Apple Pay وApple Music وApple TV+، إلى جانب تطوير خدمات التخزين السحابي والاشتراكات. ونتيجة لذلك، تجاوزت إيرادات قطاع الخدمات حاجز 100 مليار دولار سنويًا.
كما دخلت الشركة قطاعات جديدة عبر Apple Watch في 2014، ثم AirPods في 2016، ولاحقًا Vision Pro، بينما انتهى رسميًا عصر جهاز iPod الذي كان أحد أبرز رموز مرحلة جوبز.
التصميم يتغير بعد جوني آيف
لم تكن هوية منتجات «آبل» نتيجة عمل جوبز وحده، إذ لعب المصمم البريطاني جوني آيف دورًا محوريًا في تصميم iMac وiPod وiPhone وiPad.
وغادر آيف الشركة كموظف في 2019 من أجل تأسيس شركته الخاصة، رغم استمراره لفترة في التعاون مع «آبل».
وبعد رحيله، شهدت الشركة مراجعة لعدد من توجهات التصميم، خصوصًا بعد الانتقادات التي تعرضت لها لوحة مفاتيح Butterfly في أجهزة ماك بوك.
وعادت «آبل» لاحقًا إلى مجموعة من الخيارات التقليدية، فأعادت في MacBook Pro 2021 منافذ مثل HDMI وقارئ بطاقات SD وMagSafe، كما ألغت Touch Bar وأعادت أزرار الوظائف التقليدية.
وفي سبتمبر الماضي، تولى جون تيرنوس قيادة الشركة خلفًا لكوك، بعدما كان قد برز لسنوات في مجال هندسة الأجهزة، وسط توجه يمنح تصميم المنتجات والهندسة حضورًا أكبر في الإدارة.
مشروع السيارة.. رهان انتهى بلا منتج
ولم تكن مرحلة ما بعد جوبز خالية من المشروعات التي لم تكتمل. فقد أمضت «آبل» نحو عقد في العمل سريًا على مشروع السيارة الكهربائية المعروف باسم Project Titan، والذي تغيرت أهدافه أكثر من مرة، قبل أن تقرر الشركة إيقافه في فبراير 2024.
وبعد إنهاء المشروع، جرى نقل عدد من العاملين فيه إلى فرق مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتوجيه الموارد نحو مجال بات يمثل أحد أهم ميادين المنافسة التكنولوجية.
صدام متزايد مع الحكومات والجهات الرقابية
ومع تضخم حجم «آبل»، لم تعد الشركة تواجه تحديات تقنية وتجارية فقط، بل دخلت أيضًا في مواجهات متزايدة مع الحكومات والهيئات التنظيمية.
ومن أبرز التحولات فرض الاتحاد الأوروبي استخدام USB-C معيارًا إلزاميًا للهواتف والأجهزة الإلكترونية الجديدة، ما أنهى اعتماد آبل التقليدي على منفذ Lightning في أجهزة آيفون الحديثة، ودخلت القواعد حيز التطبيق على الهواتف في ديسمبر 2024.
كما أصبح App Store محور نزاعات قانونية وتنظيمية متواصلة، من بينها القضية مع شركة Epic Games، مطورة لعبة Fortnite، بشأن نظام الدفع والعمولات.
وفي أبريل 2025، أصدرت محكمة أمريكية حكمًا اعتبرت فيه أن «آبل» انتهكت أمرًا قضائيًا سابقًا يتعلق بالسماح للمطورين بتوجيه المستخدمين إلى خيارات دفع خارج متجر التطبيقات.
وكانت وزارة العدل الأمريكية وعدد من الولايات قد رفعت أيضًا دعوى لمكافحة الاحتكار ضد «آبل» في 2024، متهمة الشركة باستخدام نفوذها على آيفون لفرض قيود تصعّب انتقال المستخدمين والمطورين إلى منصات منافسة، وهي اتهامات رفضتها الشركة.
أما في أوروبا، فقد فرضت المفوضية الأوروبية في 2025 غرامة بلغت 500 مليون يورو على «آبل» بسبب ما اعتبرته مخالفة لقواعد قانون الأسواق الرقمية المرتبطة بإتاحة المجال أمام المطورين لإرشاد المستخدمين إلى عروض ووسائل شراء خارج App Store.
آبل تتحرر من معالجات إنتل
ومن التحولات التقنية الكبرى أيضًا قرار «آبل» تطوير المعالجات الأساسية لأجهزة ماك داخليًا.
ففي 2020 كشفت الشركة عن شريحة M1، وبدأت منذ ذلك الوقت التخلص تدريجيًا من معالجات «إنتل» والانتقال إلى شرائحها الخاصة، ما منحها سيطرة أكبر على تصميم الأجهزة والبرمجيات والمعالجة في وقت واحد.
وساعد هذا التحول على تحسين الأداء وكفاءة استهلاك الطاقة في أجهزة ماك، ورسخ أحد المبادئ التي تبنتها الشركة منذ سنوات، والمتمثل في التحكم المتكامل في مكونات المنتج ونظام تشغيله.
الذكاء الاصطناعي.. الاختبار الجديد
وبعد أن كانت الهواتف الذكية في قلب المنافسة التكنولوجية خلال حقبة جوبز، أصبح الذكاء الاصطناعي هو التحدي الأبرز في الصناعة اليوم.
وهنا تواجه «آبل» ضغطًا أكبر للحاق بمنافسين تحركوا بسرعة في هذا المجال، بينما أصبحت المهمة الآن بيد جون تيرنوس، الذي تولى منصب الرئيس التنفيذي في الأول من سبتمبر، في وقت انتقل فيه تيم كوك إلى رئاسة مجلس الإدارة التنفيذية.
وبينما غابت شخصية جوبز عن المشهد منذ 15 عامًا، فإن إرثه لا يزال حاضرًا في المنتج الأشهر للشركة، لكن «آبل» التي يقودها تيرنوس تدخل مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز: هل تستطيع الشركة الحفاظ على إرث الابتكار، وفي الوقت نفسه مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي؟