تعمل فرق بحثية جزائرية من جامعات ومراكز علمية مختلفة على تطوير تقنيات حديثة لمعالجة تلوث المياه وإعادة استعمالها، مستفيدة من إمكانات محلية ومواد طبيعية مثل النباتات والطين والكربون المستخرج من المخلفات الزراعية، إلى جانب ضوء الشمس وتقنيات كيميائية وكهربائية متطورة. وتُظهر نتائج هذه الأبحاث إمكانية تطوير حلول أقل تكلفة وأكثر استدامة، مع قابلية نقل عدد منها مستقبلا من المجال المخبري إلى محطات معالجة المياه والمنشآت الصناعية.
وأبرزت أبحاث أنجزتها جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا، بالتعاون مع مؤسسات علمية جزائرية وأجنبية، إمكانات واعدة في تفكيك عدد من الملوثات الدوائية والصناعية. ومن بين هذه التجارب، تطوير نسيج مضاء يجمع في وحدة واحدة بين مصدر الضوء والمادة المسؤولة عن التنقية، بالتعاون مع جامعة رين الفرنسية، حيث تمكن النظام من تفكيك نسبة مرتفعة من دواء «الفلوميكوين» وتحويل جزء معتبر منه إلى مركبات أبسط، بما قد يقلل من مراحل المعالجة المطلوبة ويدعم إمكانية تطوير التقنية للاستعمال التطبيقي.
كما طوّر باحثون من الجامعة، بالتعاون مع مركز البحث العلمي والتقني في التحليل والفيزياء والكيمياء بتيبازة وجامعة خميس مليانة، حبيبات مركبة موجهة لإزالة الصبغات المستخدمة في الصناعات النسيجية من المياه. واعتمدت هذه الحبيبات على مواد طبيعية وكربون منشط، وحققت في ظروف مناسبة نسبة إزالة تجاوزت 95 بالمائة، ما يفتح المجال أمام توظيفها في معالجة المياه الناتجة عن النشاط الصناعي.
وفي مجال التخلص من بقايا الأدوية، تناولت دراسة أخرى تفكيك المضاد الحيوي «أموكسيسيلين» باستخدام ثاني أكسيد التيتانيوم وضوء الشمس، حيث ساهمت مواد إضافية في رفع فعالية العملية مقارنة بالاعتماد على الضوء أو الامتصاص بشكل منفرد. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تقنيات للتعامل مع المخلفات الدوائية التي يمكن أن تصل إلى المياه ومياه الصرف.
وامتدت الأبحاث إلى تقنيات الترشيح، إذ اشتغل فريق مشترك من جامعة هواري بومدين وجامعة إسطنبول التقنية على تطوير أغشية تسمح بمرور المياه بكفاءة مع الاحتفاظ بالملوثات. وأظهرت التجارب أن إضافة كمية مناسبة من مادة مساعدة إلى الغشاء حسّنت نفاذية الماء وخصائص سطحه، مع ضرورة الحفاظ في الوقت ذاته على متانته.
كما طوّر باحثون أغشية خزفية باستخدام السيليكا الطبيعية، وأثبتت النتائج أن التحكم في كمية المادة الرابطة ودرجة التسخين يسمح بضبط حجم المسام وشكلها، وهو ما يمكن أن يساعد في إنتاج أغشية تتلاءم مع متطلبات مختلفة في عمليات الترشيح الصناعية.
وفي جامعة أمحمد بوقرة ببومرداس، ركزت أبحاث أخرى على تحويل مياه الصرف إلى مورد يمكن الاستفادة منه، حيث تعاون باحثون مع جامعة بسكرة لدراسة مرحلة إضافية لتنقية المياه بعد المعالجة التقليدية، بهدف جعلها ملائمة لري المساحات الخضراء والأراضي الزراعية. وأظهرت النتائج انخفاضا مهما في المواد العضوية والعالقة، بما يعزز فرص إعادة استخدام المياه المعالجة بدلا من التخلص منها.
وفي توجه يجمع بين معالجة المياه وتثمين المخلفات النباتية، نجح باحثون من جامعة بومرداس في تحويل سيقان نبات الديس إلى كربون منشط قادر على إزالة الفوسفات وبعض الصبغات من المياه. وأظهرت التجارب قدرة مرتفعة للمادة على إزالة الفوسفات وامتصاص صبغة أزرق الميثيلين، بما يوفر حلا يجمع بين الاستفادة من مخلفات النباتات وإنتاج مادة محلية يمكن استخدامها في تنقية المياه.
كما اتجه باحثون من الجامعة إلى تصنيع جزيئات من أكسيد الزنك باستعمال مستخلصات نباتية من الصبار والنفل الأبيض، في إطار ما يعرف بالتصنيع الأخضر. واستُخدمت هذه الجزيئات للمساعدة على تفكيك صبغة صناعية تحت تأثير أشعة الشمس، بما يجمع بين استخدام الموارد النباتية والاستفادة من الطاقة الشمسية في معالجة الملوثات.
وفي عنابة، بحث مركز البحث البيئي بالتعاون مع جامعة عنابة إمكانية اعتماد حلول نباتية لمعالجة مياه الصرف، من خلال نظام يعتمد على رفوف مزروعة بالنباتات بهدف تقليل الملوثات والجراثيم. وتمتاز هذه التقنية ببساطتها وانخفاض تكلفتها، ما يجعلها قابلة للتوظيف في المناطق التي تحتاج إلى حلول مرنة لإعادة استعمال المياه.
كما تناول المركز تقنية الأراضي الرطبة الصناعية، وهي أحواض مزروعة بالنباتات تساعد على تنقية المياه، وأظهرت الدراسة قدرة النظام على خفض المواد العضوية في مياه الصرف الصناعي، إلى جانب تقليل تركيز عدد من المعادن الثقيلة، من بينها الزنك والنيكل والحديد والنحاس والكروم والرصاص. وتبرز هذه النتائج إمكانات الحلول القائمة على العمليات الطبيعية في معالجة المياه الصناعية بطريقة أكثر ملاءمة للبيئة.
ومن جهتها، درست جامعة باجي مختار بعنابة إمكانية التخلص من صبغة «أخضر المالاكيت» عبر استخدام الكهرباء ومواد مؤكسدة، مع التركيز على تحديد ظروف التشغيل المثلى، ومنها شدة التيار وكميات المواد المستعملة، بهدف الوصول إلى تقنية أكثر فعالية في التعامل مع الملوثات الناتجة عن بعض الأنشطة الصناعية.
وفي المدية، تناولت جامعة يحيى فارس تقنيات مختلفة لمعالجة الملوثات، حيث قارنت دراسة أنجزت بالتعاون مع جامعة البويرة بين مادتين تستعملان إلى جانب الضوء لتفكيك بقايا المضاد الحيوي «الميترونيدازول». وأظهرت النتائج تفوق أكسيد الزنك، مع تسجيل تفكيك كامل للمادة في أفضل ظروف التجربة.
وفي تجربة أخرى، استخدم باحثون من جامعة المدية إنزيما مستخلصا من نبات اللفت لمعالجة صبغة صناعية صعبة التفكيك. وسجل المفاعل الذي يحتوي على مادة ثابتة أفضل أداء، بعدما تمكن من إزالة 99 بالمائة من اللون في ظروف محددة، مع احتفاظه بجزء مهم من فعاليته بعد مرور عدة أيام. كما لم تكشف التجارب التي أجريت على بذور الفول عن آثار ضارة، الأمر الذي يشجع على مواصلة تطوير هذا النوع من المعالجة الحيوية.
وشملت الأبحاث كذلك جامعتي ورقلة والوادي، حيث طور باحثون مادة مركبة من الطين الطبيعي و«الكيتوزان»، وهو مركب يستخلص عادة من قشور بعض الكائنات البحرية، لاستخدامها في امتصاص الأصباغ الموجودة في المياه. وأثبتت المادة قدرة عالية على التقاط صبغة «الميثيل البرتقالي»، ما يجعلها من المواد المرشحة لتطبيقات معالجة المياه الصناعية.
وفي شمال شرق البلاد، درس باحثون من جامعتي سوق أهراس وقالمة تأثير الضغوط البشرية والتلوث على الكائنات الدقيقة الموجودة في المياه الجوفية، بهدف تقييم حالة الأنظمة المائية ورصد التغيرات التي طرأت عليها، خصوصا في المناطق شبه الجافة التي تعتمد فيها الأنشطة الزراعية والصناعية بدرجة كبيرة على الموارد الجوفية.
أما في مجال حماية البيئة البحرية، فقد تابع باحثون من جامعة سعد دحلب بالبليدة سلوك وقود الديزل «المازوت» عند انسكابه في مياه البحر، من خلال تجارب داخل حوض يضم 30 لترا من مياه البحر. وبينت النتائج أن تحريك المياه وتهويتها يساعدان على تسريع انتشار البقعة النفطية وتفككها، وهي معطيات يمكن الاستفادة منها في تطوير آليات التدخل عند وقوع حوادث التلوث البحري.
وتكشف هذه الأعمال عن تنوع المقاربات التي يعتمدها الباحثون الجزائريون في مواجهة تحديات تلوث المياه، بدءا من المعالجة الكيميائية والكهربائية، مرورا بالحلول البيولوجية والنباتية، وصولا إلى تطوير مواد طبيعية وأغشية وتقنيات تستفيد من الطاقة الشمسية.
كما تبرز هذه الدراسات أهمية استغلال الموارد المتوفرة محليا، خاصة المخلفات الزراعية والنباتات والمواد الطبيعية، وتحويلها إلى أدوات لمعالجة المياه، بما يمكن أن يساهم في خفض كلفة المعالجة وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة.
وتؤكد النتائج المسجلة أن البحث العلمي الجزائري في مجال البيئة والمياه يتجه نحو تجاوز تشخيص مصادر التلوث إلى تطوير حلول عملية قابلة للتحسين والتطبيق، بما يدعم حماية الموارد المائية، ويوسع فرص إعادة استعمال المياه المعالجة، ويحد من آثار الملوثات الصناعية والدوائية والنفطية.




