قد يفارق شخص يبدو في كامل صحته الحياة بصورة مفاجئة، من دون أن تكشف الفحوص أو حتى تشريح الجثة عن سبب واضح للوفاة. هذه الحالات ترتبط أحيانًا بما يعرف بـمتلازمة الموت المفاجئ لدى البالغين، وهي حالة يعتقد المختصون أن بعض أسبابها قد تكون مرتبطة باضطرابات كهربائية خفية في القلب.
ويختلف القلب في هذه الحالة عن الصورة التقليدية له كعضلة تضخ الدم فقط، فهو يعتمد أيضًا على نظام كهربائي دقيق ينظم توقيت كل نبضة. وعندما يحدث خلل في الإشارات الكهربائية التي تتحكم في ضربات القلب، يمكن أن ينشأ اضطراب خطير في نظم القلب، حتى في حال بدا القلب سليمًا من الناحية البنيوية.
ومن أخطر هذه الاضطرابات الرجفان البطيني، إذ تصبح الإشارات الكهربائية داخل البطينين غير منتظمة إلى درجة يفقد معها القلب قدرته على ضخ الدم بصورة فعالة. وفي هذه اللحظة يتوقف وصول الدم إلى الدماغ، ما قد يؤدي إلى فقدان الوعي ثم السكتة القلبية إذا لم يتم التدخل سريعًا.
السكتة القلبية ليست النوبة القلبية
ويشير التقرير إلى ضرورة التفريق بين السكتة القلبية والنوبة القلبية، رغم الخلط الشائع بين المصطلحين.
فالنوبة القلبية تحدث عندما يؤدي انسداد أحد الشرايين إلى منع وصول الدم إلى جزء من عضلة القلب، بينما تحدث السكتة القلبية عندما يتوقف القلب بصورة مفاجئة عن ضخ الدم إلى أعضاء الجسم. وقد تتسبب النوبة القلبية في حدوث سكتة قلبية، لكنهما حالتان مختلفتان.
وتكمن إحدى مشكلات الموت المفاجئ في أن الاضطرابات الكهربائية التي تؤدي إلى توقف القلب قد لا تترك آثارًا واضحة بعد الوفاة. فالتشريح التقليدي يستطيع الكشف عن مشكلات مثل انسداد الشرايين أو تلف عضلة القلب أو تضخمها، لكنه قد يعجز عن اكتشاف خلل كهربائي كان موجودًا قبل الوفاة بدقائق.
الوراثة قد تكشف السبب الخفي
تظهر بعض حالات الموت القلبي المفاجئ نتيجة اضطرابات وراثية تؤثر في القنوات التي تنظم حركة الشحنات الكهربائية داخل خلايا القلب، ومن أبرز الحالات المرتبطة بهذا النوع من الاضطرابات متلازمة كيو تي الطويلة، ومتلازمة بروغادا، وتسرع القلب البطيني الكاتيكولاميني متعدد الأشكال.
ولهذا السبب يمكن أن يشكل التحليل الجيني وسيلة مهمة لاستكمال التحقيق في حالات الوفاة المفاجئة التي لا يكشف التشريح عن سببها، إذ يمكن تحليل عينات الحمض النووي المتبقية بعد الوفاة بحثًا عن تغيرات وراثية مرتبطة بأمراض القلب.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، قد يتم العثور على متغير وراثي مرتبط بأمراض القلب في نسبة تصل إلى 13 بالمئة من حالات الموت القلبي المفاجئ غير المفسر.
التاريخ العائلي.. إشارة لا ينبغي تجاهلها
ويكتسب التاريخ العائلي أهمية خاصة عندما تحدث وفاة مفاجئة وغير مفسرة لأحد أفراد الأسرة في سن مبكرة، سواء كان أحد الوالدين أو الأشقاء أو الأبناء، لأن بعض اضطرابات نظم القلب الخطيرة يمكن أن تنتقل وراثيًا بين أفراد العائلة.
ولا يعني ذلك أن كل شخص يعاني من خفقان أو دوخة مصاب بمرض خطير، إذ إن هذه الأعراض قد تكون شائعة ولها أسباب عديدة. لكن الإغماء أثناء ممارسة الرياضة، خصوصًا إذا ترافق مع تاريخ عائلي للوفاة المفاجئة المبكرة، يستدعي تقييمًا طبيًا متخصصًا.
ولا ينتهي التحقيق الطبي بالضرورة عند الشخص المتوفى، إذ يمكن أن تساعد نتائج الفحوص الجينية والطبية في تحديد أقارب آخرين قد يكونون معرضين للخطر، وهو ما يسمح بمتابعتهم قبل ظهور مضاعفات خطيرة.
وأظهرت إحدى الدراسات المشار إليها في التقرير، والتي شملت 304 عائلات متأثرة بالموت القلبي المفاجئ، وجود مرض قلبي وراثي في 47 بالمئة من العائلات، بينما حصل 11 بالمئة من الأقارب الذين خضعوا للفحوص على تشخيص مؤكد.
كما أظهرت متابعة أخرى شملت 686 قريبًا أن معظم الحالات التي جرى تشخيصها خلال عقد من المتابعة ظهرت خلال السنوات الخمس الأولى، ما يعزز أهمية الإسراع في إجراء الفحوص عندما تكون هناك مؤشرات تستدعي ذلك.
الكشف المبكر قد ينقذ حياة أفراد آخرين
ويختلف التعامل مع الأشخاص الذين يتم اكتشاف أنهم معرضون لخطر اضطرابات نظم القلب حسب حالتهم الصحية، وقد يشمل العلاج الأدوية أو تعديل بعض الأنشطة والإرشادات المتعلقة بممارسة الرياضة، بينما يمكن أن يحتاج الأشخاص الأكثر عرضة للخطر إلى زرع جهاز مزيل الرجفان القلبي للحد من خطر الوفاة نتيجة اضطراب خطير في ضربات القلب.
ويُستخدم في الأوساط الطبية أيضًا تعبير أكثر تحديدًا هو متلازمة الموت المفاجئ بسبب اضطراب نظم القلب، لأنه يشير إلى الحالات التي يُشتبه فيها بحدوث اضطراب قاتل في إيقاع القلب دون وجود سبب بنيوي واضح.
وتشير هذه الحالات إلى أن سلامة القلب من الناحية الشكلية لا تعني دائمًا سلامة نظامه الكهربائي، غير أن تطور الطب أتاح الجمع بين التشريح المتخصص والتحليل الجيني وفحص أفراد العائلة للوصول في بعض الحالات إلى السبب الذي لم يتمكن التشريح التقليدي من كشفه.
وبذلك، فإن اكتشاف السبب وراء وفاة مفاجئة لا يقتصر على تفسير ما حدث للمتوفى، بل قد يكون وسيلة لحماية أفراد آخرين من العائلة يحملون الاضطراب نفسه، من خلال التشخيص المبكر والمتابعة الطبية واتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة.




