مع ارتفاع وتيرة موجات الحر القياسية حول العالم، لم يعد ارتفاع درجات الحرارة مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل تحول إلى خطر صحي متزايد يضع جسم الإنسان أمام اختبار حقيقي لقدرة أعضائه على تنظيم حرارته، خصوصًا مع استمرار تسجيل درجات قياسية خلال فترات زمنية باتت أطول وأكثر تكرارًا.
وسلط تقرير نشره موقع دويتشه فيله الضوء على المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة الشديدة، مستندًا إلى آراء خبراء في الطب البيئي، بالتزامن مع تسجيل موجات حر قوية في عدد من الدول الأوروبية، من بينها فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وألمانيا، بينما واجهت مناطق واسعة من وسط وشرق الولايات المتحدة بدورها درجات حرارة مرتفعة للغاية.
وبحسب التقرير، فإن استمرار الحرارة المرتفعة يفرض ضغطًا كبيرًا على أجهزة الجسم، ولا تكون جميع الفئات قادرة على تحمل هذا الضغط بالدرجة نفسها، إذ ترتفع المخاطر بصورة خاصة لدى كبار السن والأطفال والحوامل والأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة، إضافة إلى العاملين في الأماكن المفتوحة أو الذين تتطلب أعمالهم مجهودًا بدنيًا متواصلًا.
كيف يتعامل الجسم مع الحرارة؟
توضح الطبيبة والأستاذة الجامعية كلوديا ترايدل هوفمان أن جسم الإنسان يمتلك آليات طبيعية تساعده على التكيف مع الحرارة، وتكون هذه القدرة أكثر تطورًا لدى الأشخاص الذين يعيشون بصورة مستمرة في بيئات حارة، غير أن التكيف الكامل مع التغيرات البيئية الكبرى ليس عملية سريعة، بل يحتاج إلى فترات زمنية طويلة جدًا.
ومع ارتفاع درجة حرارة البيئة، يبدأ الجسم في تشغيل منظومة التبريد الطبيعية، إذ تتمدد الأوعية الدموية للمساعدة في التخلص من الحرارة، بينما يؤدي إفراز العرق إلى تبريد الجسم، وتعمل هذه الآليات مجتمعة على إبقاء درجة الحرارة الداخلية ضمن مستويات آمنة.
لكن عندما تصبح الحرارة شديدة إلى درجة تتجاوز قدرة الجسم على التعويض، يبدأ الخلل الوظيفي بالظهور، وقد يتطور الأمر في الحالات الخطيرة إلى اضطرابات في القلب والأوعية الدموية أو السكتات الدماغية، وصولًا إلى فشل عدد من أعضاء الجسم.
وتحذر هوفمان من أن الارتفاع الشديد في حرارة الجسم يمكن أن يؤدي إلى اضطراب واسع في وظائف الخلايا والأجهزة الحيوية، مشيرة إلى أن بلوغ درجة حرارة الجسم الداخلية مستويات مرتفعة جدًا قد يتسبب في أضرار خطيرة للخلايا وفشل الأعضاء، وهو ما يجعل ضربة الحرارة حالة طبية طارئة تستوجب التدخل السريع.
ولا تتوقف آثار موجات الحر عند الدورة الدموية والجهاز العصبي، إذ يمكن أن تتأثر الرئتان أيضًا، حيث تشير بعض الفرضيات العلمية إلى أن استنشاق الهواء شديد السخونة قد يعزز العمليات الالتهابية داخل الجهاز التنفسي ويزيد قابلية الرئتين للإصابة بالمشكلات الصحية.
الاستعداد للحر يبدأ قبل الصيف
ويرى الخبراء أن التعامل مع موجات الحر لا ينبغي أن يبدأ عند وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وإنما يتطلب الاستعداد مسبقًا، خاصة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو يتناولون أدوية بصورة منتظمة.
وتوصي هوفمان بمراجعة الحالة الصحية والأدوية مع الطبيب قبل موسم الحر، إلى جانب السيطرة على الأمراض المزمنة والحالات التي يمكن أن تتفاقم بفعل ارتفاع درجات الحرارة، حتى يكون الجسم أكثر قدرة على مواجهة الظروف المناخية القاسية.
وعند دخول موجة الحر، يصبح الحفاظ على الترطيب من أهم الإجراءات الوقائية، إلى جانب شرب كميات مناسبة من الماء، واختيار وجبات خفيفة، والابتعاد قدر الإمكان عن التدخين والكحول، فضلًا عن الحصول على نوم كافٍ يساعد الجسم على استعادة قدرته بعد التعرض للإجهاد الحراري خلال ساعات النهار.
قدرة الجسم على التحمل ليست متساوية
وتختلف قدرة الإنسان على مواجهة الحرارة بحسب عمره وحالته الصحية ولياقته البدنية ومدى اعتياده على الأجواء الحارة، وهو ما يجعل الأشخاص الأكثر هشاشة صحيًا معرضين للخطر في وقت أسرع مقارنة بالشباب الأصحاء الذين اعتادوا على درجات الحرارة المرتفعة.
وتشبه هوفمان قدرة الجسم على تحمل العوامل المجهدة بـ"البرميل"، إذ يمكن أن تمتلئ قدرة التحمل لدى كبار السن والمرضى المزمنين والأشخاص الذين يستخدمون بعض الأدوية بسرعة أكبر أثناء موجات الحر، بينما يمتلك الأشخاص الأصحاء هامشًا أوسع للتعامل مع الإجهاد الحراري، لكنه يظل محدودًا أمام الظروف المناخية القصوى.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التغير المناخي لا يفرض تحديات على البيئة وحدها، بل يضع صحة الإنسان أمام تحديات متزايدة، خصوصًا مع ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة وتسارع وتيرة التغير المناخي، وهي عوامل قد تتجاوز في بعض الحالات قدرة الإنسان والأنظمة البيئية على التكيف بالسرعة المطلوبة.




