كتب بلقاسم جبار
هناك وقائع لا تنتهي بمجرد وقوعها، لأنها تترك وراءها أسئلة أكبر من تفاصيلها، وتدفعنا إلى التفكير في الأسباب التي تقف خلف بعض السلوكيات التي نراها في الشارع والأحياء، بينما تكون جذورها في كثير من الأحيان قد بدأت داخل البيت. ومن بين القيم التي تستحق أن نتوقف عندها في هذا السياق قيمة الحياء، تلك القيمة التي لا تعني الخجل أو الضعف، وإنما تمثل رقيباً داخلياً يضع للإنسان حدوداً في تعامله مع نفسه ومع الآخرين.
وفي هذا السياق، يستوقفني ما يطرحه الأستاذ بلقاسم جبار في برنامجه الأسبوعي على قناة الرسالة، خاصة عند الحديث عن قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». فالحديث، في تقديري، لا يتحدث عن سلوك فردي معزول، وإنما يضع أمامنا قاعدة عميقة في بناء الإنسان والمجتمع؛ لأن الإنسان حين يفقد ذلك الرادع الداخلي يصبح أكثر قابلية لتجاوز الحدود، وحين يغيب الحياء عن العلاقات الاجتماعية تبدأ قيم أخرى بالتراجع، وفي مقدمتها احترام الآخرين، والاعتراف بالخطأ، وحفظ حقوق الجار.
ولعل إحدى الوقائع التي شهدها أحد الأحياء تقدم نموذجاً يستحق التأمل. فقد تعرض طفل يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، وفق المعطيات المتداولة حول الواقعة، لاعتداء من شقيقين من جيرانه، أحدهما يبلغ عشرين عاماً والآخر قاصر. ولا أريد هنا أن أحوّل الواقعة إلى محاكمة لأشخاص بعينهم، فذلك شأن الجهات المختصة، وإنما أتوقف عند الجانب الإنساني والتربوي الذي كشفت عنه الحادثة.
فبعد وقوع الاعتداء، كان بإمكان والد الطفل أن يختار طريق التصعيد، وأن يرد الإساءة بإساءة أخرى، لكنه، بحسب رواية الواقعة، اختار أن يتوجه إلى والد الشابين، مستحضراً علاقة الجوار والعشرة، ومحاولاً فتح باب للصلح ومعالجة الأمر بعيداً عن منطق الانتقام. بل ذهب أبعد من ذلك عندما طلب أن يتحمل الشابان مسؤولية ما حدث، وأن تكون هناك مبادرة اعتذار أو تأديب أمام الضحية، باعتبار ذلك خطوة لجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بين الجيران.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق النقاش: ماذا يفعل الأب عندما يخطئ ابنه؟
الأب بطبيعته يريد حماية أبنائه، وهذه غريزة لا يمكن إنكارها، لكن الحماية شيء، وإلغاء المسؤولية شيء آخر. فالأب الذي يحمي ابنه من الظلم هو أب يؤدي واجبه، أما الأب الذي يحاول حمايته من الاعتراف بخطئه، فقد يعتقد أنه يدافع عنه، بينما هو في الحقيقة يؤجل عليه درساً مهماً من دروس الحياة.
فالطفل أو الشاب لا يتعلم المسؤولية من الكلمات وحدها، وإنما يتعلمها من المواقف التي يعيشها داخل أسرته. عندما يخطئ ثم يسمع من والده: "أنت مخطئ، وعليك أن تعتذر"، فإنه يتعلم أن الاعتراف بالخطأ ليس عيباً. وعندما يجد والده يبرر له كل تصرفاته مهما كانت، فقد يتكون لديه شعور بأن العائلة قادرة دائماً على حمايته من نتائج أفعاله، وأن الخطأ يصبح أقل أهمية ما دام هناك من يدافع عنه.
وهنا أجد أن الحديث عن الحياء يتجاوز كثيراً حدود المظهر أو السلوك الفردي. فالحياء الحقيقي هو أن يشعر الإنسان أن هناك أشياء لا يفعلها، ليس لأنه يخاف من الشرطة أو المحكمة، وإنما لأنه يعرف في داخله أنها ظلم وإساءة وتجاوز. أن يستحي الإنسان من الاعتداء على الضعيف، وأن يستحي من ظلم جاره، وأن يستحي من إهانة إنسان لمجرد اختلافه معه، وأن يستحي كذلك من الدفاع عن الخطأ عندما يكون واضحاً.
إن المجتمع لا يحافظ على أمنه بالقوانين وحدها، فالقانون ضروري، لكن الأخلاق هي السياج الأول الذي يمنع الإنسان من الوصول إلى الخطأ. وحين تتراجع الأخلاق داخل الأسرة، يصبح من الصعب أن نطلب من المدرسة والشارع ومؤسسات المجتمع أن تقوم وحدها بإصلاح ما لم تتمكن الأسرة من ترسيخه.
ولذلك فإن الحديث عن مثل هذه الواقعة يجب ألا يتوقف عند سؤال: من اعتدى على من؟ بل يجب أن يتوسع إلى سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا تعلم أبناؤنا من الطريقة التي تعاملنا بها مع الخلاف؟
هل تعلموا أن الجار له حرمة؟ هل تعلموا أن القوة لا تعني الاعتداء؟ هل تعلموا أن الاعتذار لا ينقص من قيمة الإنسان؟ هل فهموا أن الأسرة تقف إلى جانب أبنائها، ولكنها لا تقف إلى جانب الخطأ؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة تمس جوهر التربية.
فالأحياء التي يعيش فيها الناس بأمان ليست تلك التي تخلو من الخلافات، وإنما تلك التي تعرف كيف تعالج خلافاتها قبل أن تتحول إلى عداوات. وقد يقع الخلاف بين طفلين، ثم يكبر بسبب تدخل الكبار، وتتحول مشكلة صغيرة إلى خصومة بين عائلتين، ثم يجد الأبناء أنفسهم يحملون خلافاً لم يصنعوه أصلاً.
ومن هنا تأتي خطورة ما يمكن أن نسميه ثقافة "الحقرة"، عندما يشعر الإنسان أن حقه يمكن أن يضيع لأن الطرف الآخر أقوى أو أكثر حماية أو أكثر قدرة على فرض روايته. هذه الثقافة لا تصنع مجتمعاً آمناً، لأنها تجعل الإنسان يفقد ثقته في الإنصاف، وتدفعه إلى البحث عن القوة بدلاً من البحث عن الحل.
وليس المقصود هنا اتهام عائلة أو إصدار حكم على أشخاص، وإنما التنبيه إلى ظاهرة تربوية يمكن أن تبدأ صغيرة ثم تكبر مع مرور الوقت: أن يصبح الدفاع عن الابن أهم من تعليمه، وأن تصبح حماية صورته أمام الناس أهم من تصحيح سلوكه، وأن يصبح الاعتراف بالخطأ نوعاً من الضعف، بينما يكون الإصرار عليه نوعاً من القوة.
وهذا، في تقديري، هو المكان الذي يجب أن نستعيد فيه معنى الحياء.
فالحياء لا يبدأ في الشارع، وإنما يبدأ في البيت. ولا يمكن أن نطالب أبناءنا باحترام الآخرين إذا كانوا يرون أمامهم أن الخطأ لا يحتاج إلى اعتذار، ولا يمكن أن نطالبهم بالتسامح إذا كان الكبار يحولون كل خلاف إلى معركة كرامة، ولا يمكن أن نطالبهم بتحمل المسؤولية إذا كنا نسارع دائماً إلى رفع المسؤولية عنهم.
إن الأبوة ليست أن تقول لابنك دائماً: "أنا معك"، وإنما أن تقول له في الوقت المناسب: "أنا معك، ولذلك لن أتركك تستمر في الخطأ". هذه الجملة وحدها قد تكون أكثر نفعاً للابن من سنوات طويلة من التبرير والدفاع.
ومن هنا تبدو أهمية النقاش الذي يفتحه الأستاذ بلقاسم جبار حول القيم والأخلاق والتربية؛ لأن المجتمع الذي يريد أن يواجه العنف والحقرة والتفكك لا يحتاج فقط إلى تشديد العقوبات، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء الإنسان الذي لا يرى في الظلم بطولة، ولا يرى في الاعتذار هزيمة، ولا يرى في حماية الأسرة رخصة للاعتداء على الآخرين.
وفي النهاية، فإن الحادثة، بكل ما تحمله من ألم وأسئلة، تضع أمامنا حقيقة لا ينبغي تجاهلها: البيت قد يكون أول مكان تُبنى فيه شخصية الإنسان، وقد يكون أيضاً المكان الذي تتشكل فيه طريقة تعامله مع الخطأ والحق والآخرين.
ولهذا فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائماً من الشارع، بل قد يبدأ من لحظة بسيطة داخل البيت، حين يقول أب لابنه: أخطأت، وعليك أن تصلح خطأك.
تلك اللحظة ليست ضعفاً في الأبوة، بل ربما تكون واحدة من أقوى صورها. لأن الأب الذي يعلّم ابنه الاعتذار اليوم، قد يحمي غداً جاراً، وزميلاً، وأسرة، وربما مجتمعاً بأكمله من خطأ أكبر.
فالحياء ليس كلمة تُقال، وإنما قيمة تُمارس. وإذا أردنا أن يبقى الجوار آمناً، والأسرة متماسكة، والأبناء بعيدين عن منطق القوة والغلبة، فعلينا أن نعيد للحياء مكانه الأول: في القلب، ثم في البيت، ثم في الشارع.




