لم تكن القاعة بمركز المؤتمرات مجرد فضاء للبروتوكول حين وقف كمال مولى، رئيس مجلس التجديد الاقتصادي، أمام رئيس الجمهورية. كان المشهد أكبر من مجرد اجتماع دوري بين السلطة وأرباب العمل؛ كان مواجهة علنية مع حقيقة ظل الجميع يتهامس بها في الكواليس. فحين يقر رجل الأعمال الأول بوجود "غش وتضخيم فواتير واحتكار" تمارسه أقلية نافذة، فنحن لا أمام مجرد اعتراف إداري، بل أمام لحظة كاشفة لعمق الأزمة التي تجعل بلداً يسبح فوق بحار من النفط والغاز والذهب يئن فيه المواطن من غلاء المعيشة وطول الانتظار.
إن المفارقة التي تعيشها الجزائر اليوم ليست في قلة الموارد ولا في انعدام الفرص، بل في كيفية إدارة المنظومة للاستثمار. لسنوات طويلة، تُركت الأغلبية النزيهة من المستثمرين والمتعاملين تعاني البيروقراطية المقيتة والضبابية، بينما اختطفت أقلية جشعة الثروة الوطنية عبر أدوات غير مشروعة. من هنا، فإن المطالبة بـ "طمأنينة المتعامل النزيه" ليست مجرد رجاء ناعم يُلقى في الكلمات الرسمية، بل هي شرط وجودي لبناء اقتصاد حقيقي؛ فلا يمكن للنزاهة أن تنمو وتزدهر في بيئة يُكافأ فيها الفاسد ويُحاصر فيها الملتزم بالقانون.
الشفافية ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل هي أداة بناء سيادي. إن حماية القوت اليومي للمواطن وتوفير منافسة شريفة في السوق لا يتطلبان تشريعات جديدة بقدر ما يتطلبان إرادة سياسية وتطبيقاً صارماً للقانون على الجميع دون استثناء. إن كسر حلقة الاحتكار وتطهير قطاع التجارة والاستثمار من الشوائب هما الجسر الوحيد الذي يمكن أن ينقل ثروات الجزائر من أرقام صماء في الميزانيات إلى رفاهية ملموسة في حياة المواطن البسيط.
لقد وضع اجتماع قصر المؤتمرات الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية: فإما أن تتحول هذه الاعترافات والجلسات إلى بداية لعصر جديد تُفرض فيه سيادة القانون ويُردع فيه الفساد، وإما أن تظل الثروة الوطنية سيرة تُروى في كتاب التاريخ بينما يعيش الواقع على وقع مفارقاته المؤلمة. فالنزاهة لا تحتاج إلى وعود، بل تحتاج إلى بيئة تحميها وقانون يحرسها.