لقاء حصري يفتح أوراق الرؤية الاستراتيجية للدكتور أحمد مير حول هندسة الخدمة العمومية وبناء العلامة الوطنية
بين يديك عزيزي القارئ، حوارٌ استثنائي وخاص ينفذ إلى عمق أحد أهم المؤلفات الفكرية والإدارية الراهنة: «الدولة المسوّقة: التسويق العمومي الحديث» للدكتور أحمد مير. هذا الفكر الذي لا يدعو إلى «تسليع» المرفق العام أو اختزاله في مفاهيم الربح والتجارة، بل يطرح معماراً استراتيجياً متكاملاً يتخذ من «الاستماع، والاستجابة، والمساءلة عن النتائج» مرتكزات لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن.
"في زمنٍ يتسارع فيه التحول الرقمي وتتبدل فيه تطلعات المجتمعات، لم تعد جودة الإدارة تُقاس بحجم النصوص التنظيمية ولا بجمود الإجراءات البيروقراطية، بل بمقدار ما تخلقه من «قيمة عمومية» تُحسّن حياة المواطن وتعزز ثقته بالمؤسسة.
بين يديك عزيزي القارئ، حوارٌ استثنائي وخاص ينفذ إلى عمق أحد أهم المؤلفات الفكرية والإدارية الراهنة: «الدولة المسوّقة: التسويق العمومي الحديث» للدكتور أحمد مير. هذا الفكر الذي لا يدعو إلى «تسليع» المرفق العام أو اختزاله في مفاهيم الربح والتجارة، بل يطرح معماراً استراتيجياً متكاملاً يتخذ من «الاستماع، والاستجابة، والمساءلة عن النتائج» مرتكزات لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن.
في هذا اللقاء الحصري لجريدتنا، نغوص مع ضيفنا الكريم في رحلة فكرية وتطبيقية تعيد تعريف «التسويق العمومي» ليكون منهجاً لتطوير الإدارة ذاتها وليس مجرد قشرة إشهارية.. يسعدنا أن ننقل لكم هذا الحوار الذي نأمل أن يشكل نقطة فارقة لكل مهتم بمسار الإصلاح والتحديث المؤسساتي."
حاوره رئيس التحرير بلقاسم جبار
"أهلاً بكم متابعينا وأعزائنا قرّاء الجريدة في هذا اللقاء الفكري الخاص الذي نسلط من خلاله الضوء على إحدى أبرز المقاربات الحديثة في تسيير الشأن العام. نستضيف اليوم لدكتور أحمد مير لنخوض وإياه في تفاصيل مؤلفه الرائد «الدولة المسوقة: التسويق العمومي الحديث»، لنكتشف كيف يمكن للإدارة أن تتجاوز البيروقراطية التقليدية نحو فضاءات أرحب لصناعة القيمة العمومية والعلامة الوطنية. أهلاً بك دكتور أحمد."
-
رئيس التحرير: يثير عنوان الكتاب «الدولة المسوقة» تساؤلات مشروعة لدى البعض حول احتمال وجود توجه نحو تسليع الخدمة العمومية أو تحويل الإدارة إلى مؤسسة تجارية تسعى للربح. كيف توضحون هذا اللبس، وما هي الفلسفة الجوهرية التي ينطلق منها الكتاب؟
-
الدكتور أحمد مير: إن مفهوم «الدولة المسوّقة» لا يعني إطلاقاً تحويل الدولة إلى مؤسسة تجارية، ولا إخضاع الخدمات العمومية لمنطق الربح والخسارة، كما لا يعني تسليع المواطن أو التعامل معه بوصفه زبوناً بالمعنى التجاري الضيق. المقصود هو أن تتبنى الدولة ومؤسساتها فلسفة حديثة في تسيير الشأن العام، تقوم على فهم حاجات المواطنين وتوقعاتهم، وتصميم السياسات والخدمات العمومية بما يستجيب لهذه الحاجات، ويحق المنفعة العامة، ويعزز الرضا والثقة في المؤسسات. فالفرق جوهري بين التسويق التجاري الذي يستهدف أساساً خلق القيمة للزبون وتحقيق العائد الاقتصادي، والتسويق العمومي الذي يستهدف خلق القيمة العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وترشيد استخدام الموارد العامة، وتعزيز العدالة في الوصول إلى الخدمة، وتحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للدولة. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة المسوقة ليست دولة تبيع خدماتها، بل دولة تفهم مواطنيها، وتستمع إليهم، وتشرح سياساتها، وتقيس أثر تدخلاتها، وتعمل باستمرار على تحسين أدائها. والفلسفة الجوهرية للكتاب هي الانتقال من إدارة تكتفي بأداء مهامها وفق الإجراءات إلى إدارة تجعل القيمة التي تحققها للمواطن والمجتمع معياراً أساسياً لنجاحها.
-
رئيس التحرير: كيف يساهم التسويق العمومي في إعادة ترتيب هذه العلاقة، متجاوزاً المنطق التقليدي الذي تصنع فيه الإدارة القرار والخدمة لفرضهما على المواطن؟
-
الدكتور أحمد مير: إن أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات العمومية اليوم هو تجاوز العلاقة التقليدية التي تقوم على أن الإدارة تقرر، ثم تقدم الخدمة، وعلى المواطن أن يتكيف معها، بصرف النظر عن مدى ملاءمتها لاحتياجاته. التسويق العمومي يقترح تغييراً في هذا المنطق، من خلال الانتقال إلى إدارة تفهم حاجات المواطن قبل تصميم الخدمة، وتستمع إلى انشغالاته أثناء تقديمها، وتقيس مدى رضاه بعدها، ثم تستخدم هذه المعطيات لتصحيح الاختلالات وتحسين الأداء. ويتحقق ذلك عبر مجموعة من الممارسات، من بينها دراسة احتياجات المستفيدين، وإشراكهم في تقييم الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين الوصول إلى المعلومات، وتطوير الخدمات الرقمية، وإنشاء آليات فعالة لاستقبال الشكاوى ومعالجتها. والأهم أن التسويق العمومي لا يختزل المواطن في صفة المستفيد من الخدمة فحسب، بل ينظر إليه باعتباره مواطناً له حقوق، وشريكاً في تقييم السياسات العمومية، وصاحب مصلحة مشروعة في معرفة كيفية استخدام الموارد العامة. ومن هنا، فإن العلاقة الجديدة التي يدعو إليها الكتاب تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: الاستماع، والاستجابة، والمساءلة عن النتائج.
-
رئيس التحرير: ما هي الأدوات الاستراتيجية المحددة التي يوفرها الكتاب للانتقال بالمنظومة الإدارية من مجرد احترام الإجراءات إلى تصميم خدمة عمومية ذات قيمة تعزز الثقة؟
-
الدكتور أحمد مير: في المنطق التقليدي، قد تعتبر المؤسسة أن نجاحها يتحقق بمجرد احترام الإجراءات وتقديم الخدمة. أما في المنطق التسويقي الحديث، فإن احترام الإجراءات يمثل شرطاً ضرورياً لكنه لا يكفي وحده. ولتحقيق هذا التحول، يستند التسويق العمومي إلى مجموعة من الأدوات الاستراتيجية التي تعالجها مفصلة في الكتاب، وتتمثل في:
-
تحليل البيئة العمومية: لفهم الإطار القانوني والمؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعمل فيه المؤسسة.
-
دراسة حاجات المواطنين وتوقعاتهم: عبر الاستبيانات، المقابلات، تحليل الشكاوى، ودراسة مسارات المستفيدين.
-
تحديد القيمة العمومية المستهدفة: أي تحديد المنفعة الفعلية التي يفترض أن تحققها الخدمة للمواطن والمجتمع مع مراعاة العدالة والإنصاف.
-
تقسيم المستفيدين إلى فئات: ليس بغرض التمييز، وإنما لتكييف طرق تقديم الخدمة بما يراعي اختلاف ظروفهم وقدراتهم.
-
بناء المزيج التسويقي العمومي: بالتنسيق بين تصميم الخدمة، تكلفتها، إمكانية الوصول إليها، والاتصال بشأنها والعناصر البشرية والتنظيمية.
-
قياس الأداء والأثر: عبر مؤشرات تتجاوز عدد الخدمات المقدمة إلى قياس الجودة، الآجال، ومستوى الرضا.
-
التحسين المستمر: لاستخدام نتائج التقييم في مراجعة الإجراءات وتصحيح الاختلالات.
-
-
رئيس التحرير: يقع الكثيرون في خلط شائع بين التسويق العمومي الشامل وبين الحملات الاتصالية والإشهارية المعتادة. أين يفصل الكتاب بين المفهومين؟
-
الدكتور أحمد مير: الخلط بين التسويق العمومي والاتصال المؤسساتي من أكثر الالتباسات شيوعاً؛ فالاتصال عنصر أساسي في التسويق العمومي، لكنه ليس التسويق العمومي في حد ذاته. يمكن للإدارة أن تنظم حملة إعلامية ناجحة من حيث الوصول للجمهور، ومع ذلك تظل الخدمة نفسها معقدة أو بطيئة. في هذه الحالة، يكون الاتصال قد أدى وظيفته، لكن المشكلة الأساسية في تصميم الخدمة لم تُحل. التسويق العمومي يبدأ قبل الاتصال، ويستمر بعده؛ فهو ينطلق من تشخيص الاحتياجات، ويمر بتحديد الأهداف وتصميم الخدمة وتنظيم تقديمها، ثم يشمل التعريف بها وتقييم نتائجها. ولذلك، فإن الرسالة الأساسية التي يدافع عنها الكتاب هي أن التسويق العمومي ليس فنّ تقديم صورة جيدة عن الإدارة، بل منهج لتطوير الإدارة نفسها، على أن يعكس الاتصال ما تحققه فعلياً من قيمة للمواطن والمجتمع.
-
رئيس التحرير: كيف يختلف تطبيق المزيج التسويقي العمومي عملياً بين الخدمات المباشرة اليومية، والقطاعات الحيوية والاستراتيجية كالاستثمار والتعليم والصحة؟
-
الدكتور أحمد مير: إن المزيج التسويقي العمومي ليس إطاراً جامداً، بل هو مقاربة مرنة تتكيف أوزان عناصرها بحسب طبيعة كل قطاع:
-
أولاً: الخدمات الإدارية المباشرة (مثل جواز السفر البيومتري): تتمثل الأولوية هنا في تبسيط الإجراءات، ووضوح الوثائق، وتقليص آجال الانتظار، وتسهيل حجز المواعيد، وتحسين الاستقبال، ولا يقاس النجاح بعدد الإعلانات بل بمدى سهولة حصول المواطن على الخدمة.
-
ثانياً: قطاع الاستثمار: تشمل الخدمة مساراً متكاملاً للمستثمر؛ لذا يتطلب التسويق العمومي هنا توفير معلومات موثوقة، وتبسيط المسارات الإدارية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتوضيح الحوافز، وتجويد مرافقة المشروع لتحسين مناخ الأعمال.
-
ثالثاً: قطاعا التعليم والصحة: في التعليم، تتمثل القيمة في الجودة، الارتباط باحتياجات المجتمع، وتعزيز قابلية توظيف الخريجين. أما في الصحة، فالأولويات ترتكز على إتاحة الرعاية، جودة التكفل، سلامة المرضى، احترام كرامتهم، وتقليص آجال الانتظار، مع الخضوع التام لاعتبارات الصحة العامة والأخلاقيات دون اختزال المريض في مجرد مستهلك.
-
-
رئيس التحرير: ما هي أبرز التحديات التي يشخصها كتابكم في واقع المؤسسات والخدمات العمومية الجزائرية؟ وكيف تقترحون الانتقال الفعلي من النظرية إلى الممارسة؟
-
الدكتور أحمد مير: الحديث عن التسويق العمومي في الجزائر ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بأهمية الإصلاحات العميقة التي عرفتها الدولة في تحديث الإدارة والخدمات الرقمية. غير أن نجاح الإصلاحات يتطلب تطوير الممارسات والثقافة التنظيمية لمواجهة تحديات بارزة تشمل: استمرار إعطاء الأولوية للإجراء على حساب النتيجة، ومحدودية الاستفادة من آراء المواطنين وشكاواهم، والتفاوت في جودة الخدمات بين المناطق، والحاجة الملحة لتطوير الكفاءات البشرية. ولتجاوز هذه التحديات عملياً، يدعو الكتاب إلى التعامل مع التسويق العمومي باعتباره مشروعاً مؤسساتياً متكاملاً يترجم عبر مسار عملي من خمس مراحل: التشخيص، تحديد الأهداف، إعادة التصميم، التنفيذ والتواصل، والتقييم والتحسين المستمر. إن الرهان الحقيقي ليس في إعلان تبني التسويق العمومي، بل في تحويله إلى ممارسات قابلة للتطبيق، ونتائج قابلة للقياس، وتحسينات محسوسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
خاتمة
رئيس التحرير: "بهذه الرؤية الاستراتيجية العميقة التي تربط بين التحديث الإداري، وصناعة القيمة العمومية، والواقع المؤسساتي، نختتم لقاءنا المتميز مع الدكتور أحمد مير. نشكركم جزيل الشكر دكتور على هذا الإثراء الفكري، ونتمنى أن تشكل أطروحات كتاب «الدولة المسوقة» خارطة طريق حقيقية لترقية الأداء العمومي في بلادنا. والشكر موصول لكم أعزائنا القرّاء، وإلى لقاء تجددي قريب."




