هام تبون.. المواطن أولًا

فرنسا تفتح الباب.. بريطانيا تعيد حساباتها بشأن «بريكست»

فرنسا تفتح الباب.. بريطانيا تعيد حساباتها بشأن «بريكست»

 

أعادت فرنسا فتح النقاش حول إمكانية عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، بعدما دعا وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لندن إلى العودة «في أي وقت»، بالتزامن مع تحول لافت في موقف الحكومة البريطانية التي باتت تطرح مختلف السيناريوهات المتعلقة بمستقبل علاقتها ببروكسل، وصولًا إلى احتمال استعادة عضوية الاتحاد.

وجاء الموقف الفرنسي عقب تصريحات رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، الذي أقر بأن خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي ربما تسبب في أضرار أكبر من المنافع، معلنًا استعداد حكومته لدراسة الخيارات المتاحة بشأن العلاقة طويلة الأمد مع التكتل الأوروبي، من دون أن يعني ذلك اتخاذ قرار فوري بالعودة أو الدعوة إلى استفتاء جديد.

وقال ليسكور، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن قرار مغادرة الاتحاد كان من حق البريطانيين، وبالتالي فإن اتخاذ قرار العودة سيكون حقًا لهم أيضًا، مضيفًا أن عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد ستتيح لها المشاركة مع الدول الأوروبية في صناعة القرارات ومواجهة التحديات الدولية من موقع داخل المؤسسة الأوروبية.

لندن توسع دائرة الخيارات

يمثل موقف بيرنهام تحولًا واضحًا في سياسة حزب العمال تجاه ملف «بريكست»، إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على تحسين ترتيبات العلاقة القائمة مع الاتحاد، بل اتسع ليشمل مجموعة من البدائل، بينها مواصلة الوضع الحالي، والانضمام إلى الاتحاد الجمركي الأوروبي، والعودة إلى السوق الأوروبية الموحدة، وصولًا إلى بحث خيار استعادة عضوية الاتحاد.

وأكد رئيس الوزراء البريطاني أن حكومته ستعمل على دراسة ما يمكن تحقيقه، إلى جانب تقييم المزايا والسلبيات المترتبة على كل خيار، قبل اتخاذ موقف نهائي.

ويختلف هذا الطرح عن الموقف الذي تبناه حزب العمال خلال انتخابات 2024، عندما استبعد بوضوح العودة إلى السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي، كما رفض إعادة العمل بحرية حركة الأشخاص.

باريس ترحب بإعادة فتح الملف

واعتبر ليسكور التحول في الخطاب البريطاني فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الجانبين، مؤكدًا أن فرنسا سترحب بأي قرار بريطاني بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي.

وأوضح الوزير الفرنسي أن لندن والدول الأوروبية أمام تحديات عالمية متزايدة، وأن توحيد الجهود داخل الإطار الأوروبي من شأنه تعزيز قدرتها على التعامل مع هذه التحديات.

وجاءت تصريحاته خلال زيارة إلى بريطانيا، حيث التقى نظيره البريطاني جون هيلي، كما يتضمن برنامج الزيارة لقاءات مع مسؤولين وممثلين عن القطاع المالي، إلى جانب إلقاء كلمة في كلية لندن للاقتصاد.

ألمانيا تواكب التقارب البريطاني الأوروبي

وبالتزامن مع ذلك، يتوجه بيرنهام إلى ألمانيا للقاء المستشار فريدريش ميرتس، في زيارة تتصدرها ملفات التعاون الاقتصادي والأمني، مع تخصيص حيز لمستقبل العلاقات البريطانية مع الاتحاد الأوروبي.

ومن المنتظر أن تطلق لندن وبرلين شراكة جديدة لمواجهة الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وما يعرف بالتهديدات الهجينة، إلى جانب توسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والصناعة والنمو الاقتصادي.

وتنظر الحكومة الألمانية إلى تحسين العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي باعتباره مسارًا قابلًا للتطوير، في ظل توجه حكومة بيرنهام لإعادة صياغة العلاقة مع بروكسل بعد سنوات من الخلافات التي أعقبت عملية الخروج.

المصالح الاقتصادية تعرقل التقارب

ورغم مؤشرات التقارب، لا تزال ملفات اقتصادية عدة مصدر خلاف بين لندن وبروكسل. فقد وجه بيرنهام انتقادات إلى خطط أوروبية لدعم الصناعات داخل الاتحاد، محذرًا من أن بعض القواعد المقترحة قد تضع الشركات البريطانية في وضع تنافسي أقل ملاءمة أمام نظيراتها الأوروبية.

وفي المقابل، حذرت مصادر حكومية بريطانية من احتمال تأجيل قمة تهدف إلى «إعادة ضبط» العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، ما لم يوافق التكتل على مناقشة تشريعات قد تؤثر على قدرة الشركات البريطانية على الوصول إلى بعض أجزاء السوق والصناعة الأوروبية.

ورد الوزير الفرنسي على هذه المخاوف بالتشديد على أهمية العودة إلى طاولة المفاوضات، معتبرًا أن الوجود داخل الاتحاد يمنح بريطانيا فرصة المشاركة في صياغة القرارات بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها من خارج المنظومة.

فاراج يعود إلى واجهة الجدل

وأثارت تصريحات بيرنهام ردود فعل من المعسكر المؤيد لـ«بريكست»، وفي مقدمته زعيم حزب «ريفورم يو كيه» نايجل فاراج، الذي رأى أن إعادة فتح ملف العلاقة مع الاتحاد تمنح حزبه فرصة سياسية جديدة.

وسعى فاراج إلى التقليل من أهمية استطلاعات الرأي التي تشير إلى تنامي التأييد للعودة إلى الاتحاد، معتبرًا أن موقف الناخبين قد يتغير عند مناقشة التزامات العضوية وتكاليفها، ولا سيما ما يتعلق بحرية الحركة ومنطقة شنغن والعملة الأوروبية الموحدة.

وتشير استطلاعات حديثة إلى تغير ملحوظ في المزاج العام البريطاني تجاه «بريكست»، غير أن دعم فكرة العودة يظل مرتبطًا بتفاصيل وشروط العضوية، ما يجعل تحويل هذا التأييد إلى خيار سياسي فعلي أمرًا أكثر تعقيدًا.

العودة إلى الاتحاد ليست قرارًا بريطانيًا فقط

ورغم إدراج خيار العودة ضمن السيناريوهات التي ستدرسها الحكومة البريطانية، فإن تنفيذه لا يتوقف على قرار لندن وحدها، إذ سيتطلب موافقة الدول الأعضاء وفق الإجراءات الأوروبية الخاصة بالانضمام، فضلًا عن إجراء مفاوضات بشأن شروط العضوية.

كما أن أي عودة محتملة لن تعني بالضرورة استعادة بريطانيا تلقائيًا الوضع الذي كانت تتمتع به قبل «بريكست»، إذ ستطرح على طاولة التفاوض قضايا عديدة، من بينها السوق الموحدة والاتحاد الجمركي وحرية التنقل والقواعد الأوروبية.

وبذلك، لا تعني الدعوة الفرنسية أن بريطانيا اتخذت قرارًا بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها تكشف عن تغير مهم في طبيعة النقاش داخل المملكة المتحدة. فبعد سنوات من التركيز على إدارة نتائج «بريكست»، أصبحت حكومة بيرنهام تضع إعادة بناء العلاقة مع أوروبا، وصولًا إلى العضوية الكاملة، ضمن الخيارات التي تقول إنها مستعدة لدراستها.

 

مرتبط

فيديوهات ذات صلة

جارٍ التحميل...