تصاعدت احتجاجات طلاب الثانويات في فرنسا على خلفية نقص المدرسين، واكتظاظ الأقسام، وسوء أوضاع بعض المنشآت التعليمية، والمطالبة بزيادة الموارد المخصصة للمدارس، إلى جانب الدعوة إلى إصلاحات في نظام التعليم وآليات الالتحاق بالتعليم العالي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الحراك عبر فتح قنوات جديدة للحوار مع ممثلي الطلاب.
وفي هذا السياق، دعا وزير التعليم الفرنسي إدوار غيفراي، الخميس، ممثلي الاتحادات الطلابية الثلاثة الرئيسية لطلاب الثانويات إلى اجتماع جديد بمقر الوزارة، بهدف بحث المطالب المطروحة ومحاولة تهدئة موجة الاحتجاجات التي انتقلت من منطقة باريس إلى مدن وبلدات عدة في مختلف أنحاء البلاد.
وتأتي هذه الدعوة بعد أسابيع من التحركات التي بدأت في 21 سبتمبر الماضي داخل مؤسسة تعليمية بمنطقة كريتاي قرب باريس، إثر احتجاجات مرتبطة بنقص الكوادر التدريسية ومشكلات ظروف الدراسة، قبل أن تتوسع رقعة الحركة وتشمل عددًا متزايدًا من المؤسسات التعليمية.
وبحسب أحدث البيانات المتداولة، أغلقت 224 مدرسة أبوابها الخميس، بينما أعيد فتح 151 مؤسسة بشكل جزئي، مع تسجيل انخفاض في حالات الإغلاق بنحو 30 بالمائة مقارنة باليوم السابق. ورغم هذا التراجع، استمرت الاحتجاجات والمظاهرات في عدد من المدن، من بينها نانت ورين ومرسيليا، بالتزامن مع التحضير لتجمع كبير في العاصمة باريس.
وتتمحور مطالب المحتجين حول رفع الموارد المخصصة لقطاع التعليم، وتحسين البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، ومعالجة النقص المسجل في المدرسين والكوادر التربوية، إضافة إلى تقليص الاكتظاظ داخل الأقسام، فضلًا عن المطالبة بإجراء تغييرات على نظام التعليم وآليات الانتقال إلى التعليم العالي.
وخلال إحدى مراحل التصعيد الأولى، شاركت أكثر من ألف مدرسة في التحركات الاحتجاجية، كما انضم طلاب من بعض الجامعات إلى الحراك، بينما عبّر مدرسون وأولياء أمور ونقابات عن تضامنهم مع المطالب الطلابية، الأمر الذي ساهم في توسيع نطاق القضية وتحويلها من احتجاجات ذات طابع مدرسي إلى نقاش أوسع حول مستقبل التعليم والخدمات العامة في فرنسا.
دعم واسع للمطالب مقابل تباين بشأن استمرار الاحتجاجات
وبالتزامن مع اتساع الحركة الاحتجاجية، كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيلاب» لصالح قناة BFMTV أن غالبية الفرنسيين يتفهمون مطالب طلاب الثانويات، إذ اعتبر 72 بالمائة من المشاركين أن هذه المطالب مشروعة، بينما أبدى 55 بالمائة تأييدهم للتحركات الاحتجاجية.
غير أن نتائج الاستطلاع أظهرت تباينًا واضحًا بشأن استمرار الحراك، حيث يرى 55 بالمائة من المستطلعين أن الاحتجاجات ينبغي أن تتوقف، مقابل 27 بالمائة يؤيدون استمرارها بالوتيرة الحالية، في حين يؤيد 17 بالمائة تصعيدها وتنظيم تحركات أكبر.
ويعكس هذا التباين حالة من الفصل بين تأييد المطالب المتعلقة بتحسين التعليم وبين المخاوف من استمرار الاضطرابات، خصوصًا في المناطق التي شهدت مواجهات بين المحتجين وقوات الشرطة أو تسجيل أعمال تخريب وحرائق.
توتر بين المحتجين والشرطة
وتزامن اتساع الاحتجاجات مع ارتفاع حدة التوتر في عدد من المدن الفرنسية، حيث شهدت بعض التحركات مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، إلى جانب استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع وتنفيذ عمليات توقيف.
وأكدت السلطات أن بعض الاحتجاجات خرجت عن طابعها السلمي وتحولت إلى أعمال عنف وتخريب، في وقت انتقد فيه طلاب ونقابات ومنظمات سياسية ومدنية طريقة تعامل قوات الأمن مع المظاهرات، ولا سيما بعد تسجيل إصابات في صفوف عدد من الطلاب.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قد حذر في تصريحات سابقة من إمكانية تجاهل حالة الغضب التي عبّر عنها الطلاب، مؤكدًا أن مطالبهم تستحق المعالجة، ومتعهدًا بتقديم خطة للتعامل مع مشكلات قطاع التعليم بحلول نهاية الشهر.
غير أن هذه التصريحات لم تكن كافية لتهدئة المحتجين، الذين يطالبون بإجراءات عملية وسريعة بدل الاكتفاء بالتعهدات العامة، خاصة فيما يتعلق بزيادة الموارد وتوفير المدرسين وتحسين ظروف الدراسة.
الحراك يمتد إلى بلجيكا
ولم تظل التحركات الطلابية محصورة في فرنسا، إذ امتدت احتجاجات مماثلة إلى بلجيكا، خصوصًا في لييج وبروكسل، حيث خرج طلاب للاحتجاج على إصلاحات تعليمية وزيادات في الرسوم الدراسية.
وفي مدينة لييج، فرضت السلطات قيودًا على التجمعات العامة عقب احتجاجات شهدت مواجهات وأعمال تخريب، بينما اتهم وزير الخارجية البلجيكي برنار كوينتان ناشطين من اليسار المتشدد بالتسلل إلى الاحتجاجات والتسبب في أضرار بالممتلكات.
ورفض ناشطون من الحركة الاحتجاجية هذه الاتهامات، معتبرين أنها محاولة لإعطاء التحركات تفسيرًا سياسيًا بدل التركيز على مطالبها التعليمية والاجتماعية التي دفعت الطلاب إلى النزول إلى الشارع.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه حكومات أوروبية ضغوطًا متزايدة للحفاظ على تمويل الخدمات العامة وتحسينها، بالتزامن مع محاولات التحكم في الإنفاق الحكومي، ما يجعل ملف التعليم جزءًا من نقاش أوسع حول أولويات السياسات الاجتماعية والمالية.
ويشكل الاجتماع المرتقب بين وزير التعليم الفرنسي وممثلي الاتحادات الطلابية محطة جديدة في مساعي الحكومة لنقل الأزمة من الشارع إلى طاولة الحوار، غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بمدى قدرة السلطات على تقديم حلول عملية للمطالب المتعلقة بالموارد البشرية، والاكتظاظ، وظروف الدراسة، ومستقبل المنظومة التعليمية.




