رغم الاعتقاد الشائع بأن الأقمار الصناعية تتولى نقل الجزء الأكبر من الاتصالات الدولية، فإن البنية الأساسية للإنترنت العالمي تعتمد بصورة رئيسية على شبكة ضخمة من كابلات الألياف الضوئية الممتدة في أعماق البحار والمحيطات، والتي تنقل أكثر من 95% من حركة البيانات والاتصالات بين الدول، ما يجعلها ركيزة حيوية للاقتصاد الرقمي والخدمات المالية والسحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتكتسب هذه الشبكة أهمية استراتيجية متزايدة، لا سيما في المناطق التي تشكل ممرات رئيسية لحركة البيانات بين القارات، مثل البحر الأحمر وقناة السويس ومضيق هرمز، حيث يثير تركز البنية التحتية للاتصالات مخاوف بشأن أمنها واستمرارية عملها في ظل التوترات الجيوسياسية.
وتضم منظومة الكابلات البحرية العالمية نحو 600 كابل، يمتد مجموع أطوالها إلى أكثر من 1.48 مليون كيلومتر، لتؤمن الربط الرقمي بين القارات. وعلى الرغم من الدور الذي تؤديه الأقمار الصناعية في توفير الاتصالات للمناطق النائية، فإن مساهمتها في نقل البيانات الدولية تظل محدودة مقارنة بالكابلات البحرية، التي تتميز بقدرتها على نقل كميات ضخمة من المعلومات بسرعة عالية وبتكلفة أقل.
وفي منطقة الشرق الأوسط، يمثل البحر الأحمر وقناة السويس ممرا مهما للاتصالات بين آسيا وأوروبا، إذ تعبرهما أكثر من 15 منظومة كابلات بحرية، وتشير التقديرات الواردة إلى أن هذه المنطقة تمر عبرها نسبة تتراوح بين 17 و30% من حركة الإنترنت العالمية. كما يمر عبر مضيق هرمز نحو سبعة كابلات رئيسية، تنقل البيانات بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتتركز غالبية مساراتها في الجانب العُماني من المضيق.
وتعتمد هذه المنظومة على ألياف زجاجية دقيقة للغاية، تنقل المعلومات في شكل نبضات ضوئية تنتقل داخل الألياف بأقل قدر ممكن من الفقد، بفضل خاصية الانعكاس الداخلي الكلي. ولضمان استمرار الإشارة على امتداد المسافات الطويلة، تُجهز الكابلات بمكررات تعمل على تقوية الإشارات الضوئية، وتُوزع عادة على مسافات تتراوح بين 50 و100 كيلومتر، مع وضعها داخل أغلفة مصممة لتحمل الضغط والظروف القاسية في الأعماق.
ولا تبدأ عملية إنشاء هذه الشبكات بإلقاء الكابل في البحر مباشرة، بل تسبقها دراسات تقنية وجيولوجية لتحديد المسارات الأكثر أمانا وكفاءة. ويستخدم المختصون أجهزة السونار والخرائط البحرية للكشف عن طبيعة قاع البحر وتجنب المناطق الخطرة والبيئات البحرية المحمية.
بعد ذلك، تتولى سفن متخصصة مزودة ببكرات ضخمة وأنظمة تحديد المواقع تنفيذ عملية مد الكابلات، مع التحكم في مسارها وعمقها ودرجة الشد. وعند الاقتراب من السواحل، يمكن دفن الكابلات في قاع البحر باستخدام معدات متخصصة، من بينها محاريث تُشغّل بواسطة مركبات تعمل عن بُعد، بهدف تقليل مخاطر تعرضها لمراسي السفن وشباك الصيد وغيرها من الأنشطة البحرية.
ومع ذلك، تظل هذه البنية التحتية عرضة للأعطال؛ إذ تتعرض الكابلات البحرية عالميا لما يتراوح بين 150 و200 حادث انقطاع أو خلل سنويا، وفقا للأرقام الواردة في المادة. وتُعد مراسي السفن ومعدات الصيد من أبرز أسباب الأضرار، خصوصا في المياه الضحلة، حيث تُنسب إلى أنشطة الصيد بالجر وسحب المراسي نسبة تتراوح بين 65 و70% من الأعطال.
وتسهم عوامل طبيعية أخرى، مثل الانزلاقات الأرضية تحت الماء والزلازل وتغيرات التيارات البحرية، في وقوع نسبة إضافية من الحوادث، تقدر بنحو 10 إلى 12% وفق الأرقام نفسها.
إلى جانب المخاطر الطبيعية والأنشطة البشرية، باتت الكابلات البحرية جزءا من حسابات الأمن الاستراتيجي، مع تزايد المخاوف من التخريب المتعمد والتجسس واستهداف البنية التحتية الحيوية خلال النزاعات الدولية. ويبرز مضيق هرمز في هذا السياق بسبب أهميته الجغرافية وحساسية الممرات الرقمية التي تعبره.
وفي هذا الإطار، نقلت المادة تهديدا حديثا من الحرس الثوري الإيراني، تحدث فيه عن وجود «أهداف جديدة» في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة والحصار المفروض على إيران، مشيرا إلى مرور سبعة كابلات إنترنت رئيسية تحت مضيق هرمز، في تصريح يعكس تصاعد المخاوف من تحول البنية التحتية الرقمية إلى عنصر مؤثر في الصراعات الجيوسياسية.




