تمتلك أفريقيا مقومات تؤهلها للتحول إلى قوة عالمية في صناعة النسيج، غير أن تصدير كميات كبيرة من القطن الخام واستيراد المنتجات الجاهزة يحرم اقتصاداتها من جزء مهم من القيمة المضافة وفرص العمل. وفي محاولة لتغيير هذا الواقع، تبرز مبادرة «من القطن إلى القماش» بوصفها توجهًا نحو بناء سلسلة إنتاج متكاملة، تبدأ من الحقول ولا تنتهي إلا عند وصول الملابس إلى الأسواق.
ولا تتعلق المسألة بمجرد تطوير صناعة تقليدية، بل بإعادة رسم موقع القارة في الاقتصاد العالمي، من مصدر للمواد الأولية إلى منتج للسلع النهائية القادرة على المنافسة. فعمليات الغزل والنسيج والصباغة وتصميم الملابس تتيح خلق وظائف متنوعة، ونقل المهارات التقنية، وتعزيز المؤسسات الصناعية المحلية، بدل ترك الجزء الأكبر من الأرباح للأسواق التي تستورد القطن ثم تعيد تصنيعه.
وتحمل هذه القضية أبعادًا تاريخية أيضًا؛ فقد ارتبط القطن لقرون بالتجارة العالمية والتحولات الصناعية، لكنه كان كذلك جزءًا من تاريخ الاستعباد والاستغلال الذي تعرض له ملايين الأفارقة. واليوم، تبرز أمام القارة فرصة لتحويل هذه الذاكرة إلى دافع لبناء اقتصاد أكثر قدرة على التحكم في موارده، وتحديد موقعه في سلاسل الإنتاج الدولية.
وتشير الأرقام الواردة في المعطيات المقدمة إلى أن أفريقيا تنتج نحو 2.6 مليون طن من القطن سنويًا، بينما لا تزال حصتها من مراحل التصنيع محدودة. ويعني ذلك أن التحدي لا يكمن في الإنتاج الزراعي وحده، بل في توفير المصانع والطاقة والتمويل والتكنولوجيا والبنية اللوجستية اللازمة لتحويل الألياف الخام إلى خيوط وأقمشة وملابس جاهزة.
وفي هذا السياق، يدعم بنك التصدير والاستيراد الأفريقي توجهًا صناعيًا يستهدف تعبئة تمويل يصل إلى خمسة مليارات دولار، وتحويل نحو 500 ألف طن من القطن، مع إمكانية توفير ما يصل إلى 500 ألف فرصة عمل، وفق الأهداف المعلنة للخطة. غير أن بلوغ هذه النتائج يظل مرتبطًا بتنفيذ المشاريع، واستقطاب الاستثمارات، وتأهيل اليد العاملة، وضمان قدرة المنتجات الأفريقية على المنافسة من حيث الجودة والتكلفة.
إن الرهان الحقيقي أمام أفريقيا هو الانتقال من تصدير ما تنتجه الأرض إلى تصنيع ما تحتاجه الأسواق، وبناء علامات تجارية محلية قادرة على الوصول إلى المستهلكين داخل القارة وخارجها. فالثروة لا تُقاس بحجم المحصول وحده، بل بما تستطيع الاقتصادات إنتاجه من قيمة وفرص عمل وخبرات.
وقد يشكل مشروع «من القطن إلى القماش» خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذا تحول التمويل المعلن إلى مصانع تعمل وإنتاج مستدام وأسواق فعلية. عندها فقط، لن يكون القطن الأفريقي مجرد مادة خام تغادر القارة، بل أساسًا لصناعة تخلق الثروة داخلها.