تسببت الاضطرابات الأمنية التي تشهدها السعودية عقب الهجمات الصاروخية المنسوبة إلى الحوثيين في إلغاء مسؤولين تنفيذيين من كبرى شركات النفط العالمية مشاركتهم الحضورية في مؤتمر المجلس العالمي للبترول، الذي افتتحت أعماله الأحد في الرياض، وسط تصاعد المخاوف بشأن سلامة التنقل واستقرار المنشآت الحيوية في المنطقة.
وبحسب مصدرين مطلعين، عدل رؤساء تنفيذيون في شركات «إكسون موبيل» و«توتال إنرجيز» و«شل» و«بي بي» عن خططهم لحضور المؤتمر، في ظل الاضطرابات التي طالت حركة السفر عقب الهجمات على مطار الملك خالد الدولي. وأوضحت شركة «بي بي» أنها بذلت مساعي للمشاركة، غير أن ظروف السفر حالت دون حضور ممثليها شخصيا، مؤكدة في الوقت نفسه استمرار التزامها بشراكاتها طويلة الأمد في المنطقة.
وأدانت السلطات السعودية الهجوم الذي قالت إنه الثالث من نوعه على مطار الرياض خلال أسبوع، واصفة إياه بـ«الاعتداء الإرهابي الجبان»، ومتوعدة باتخاذ رد حاسم. كما أشارت التقارير إلى وقوع هجوم آخر الأحد، بعد اعتراض صاروخ جوال، فيما اندلع حريق في مبنى آخر داخل المطار، الذي ظل مغلقا، بالتزامن مع دعوات أصدرتها سفارات أجنبية لرعاياها بتجنب المنطقة.
وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن استهداف مطارات الرياض والدمام، إلى جانب موقعين نفطيين تابعين لشركة «أرامكو» في المنطقة الشرقية، باستخدام صواريخ باليستية وجوالة وطائرات مسيّرة. وتوعد المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، بمواصلة العمليات داخل الأراضي السعودية، كما جددت الجماعة تحذيراتها لشركات الطيران والمسافرين والعاملين من استخدام المطارات والمجال الجوي السعودي.
ويأتي هذا التصعيد في سياق اتساع تداعيات الحرب على إيران، التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير، وما أعقبها من هجمات انتقامية إيرانية وتحركات من أطراف حليفة لطهران، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة التوتر في الشرق الأوسط وألقى بظلاله على أسواق الطاقة العالمية.
وفي قراءة لتداعيات استهداف مطار الرياض، قال ماجد المذحجي، الشريك المؤسس لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، إن تكرار الهجمات وسقوط ضحايا مدنيين يحملان، بحسب تقديره، رسالة تهدف إلى زيادة كلفة القرارات السعودية من خلال تهديد الأرواح والنشاط الاقتصادي والثقة بالوضع الأمني في المملكة.
وتزامن التصعيد مع تحرك عسكري مضاد نفذته الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والمدعومة من السعودية، ضد الحوثيين خلال الأسبوع الماضي. وكانت الجماعة قد سيطرت في سبتمبر على مناطق مطلة على مضيق باب المندب، الذي يمثل ممرا استراتيجيا يربط الملاحة في البحر الأحمر بقناة السويس، ما عزز قدرتها على مراقبة السفن السعودية واستهدافها، وأثار مخاوف بشأن انعكاسات التوتر على إمدادات الطاقة وحركة التجارة البحرية.
وفي مواجهة التهديدات، تعمل الرياض على تعزيز قدراتها الدفاعية بالتعاون مع حلفائها. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن الشهر الماضي إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاعية لحماية محطة ينبع النفطية على ساحل البحر الأحمر، التي ازدادت أهميتها لصادرات النفط الخام عقب إغلاق مضيق هرمز.
كما أعلنت السعودية وباكستان وتركيا، الأسبوع الماضي، تفعيل اتفاق دفاع مشترك للمرة الأولى، بهدف ضمان سرعة نشر القوات والقدرات العسكرية الباكستانية والتركية داخل المملكة عند الحاجة.
وفي واشنطن، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجوم على مطار الرياض بأنه «أمر فظيع»، وقال إن إدارته ستدرس إمكانية شن ضربات ضد الحوثيين، مشيرا إلى أن القرار سيُتخذ سريعا. وأضاف أنه يعتزم التحدث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لافتا إلى وجود قنوات اتصال مع الحوثيين.
من جهته، رأى المعلق السعودي علي الشهابي، وفق ما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أن اتساع مساحة السعودية وتوزع منشآتها الحيوية بين شرق البلاد وغربها يجعلان تأمينها مهمة معقدة، حتى مع وصول تعزيزات دفاعية من فرنسا وتركيا واحتمال انضمام أطراف أخرى إلى جهود الحماية.
وتعود مشاركة السعودية في الحرب اليمنية إلى عام 2015، حين تدخلت دعما للحكومة المعترف بها دوليا بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء. واستمرت الهدنة التي أُبرمت عام 2022 إلى حد كبير خلال الأشهر الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل انهيارها في يوليو، عقب إعلان الحوثيين فرض حصار على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر ومهاجمة ناقلات نفط ومنشآت للطاقة.
ورغم التطورات الأمنية، أكد مسؤولون سعوديون أن مؤتمر المجلس العالمي للبترول سيُعقد في موعده، كما من المقرر أن تستضيف الرياض خلال الشهر نفسه مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، الذي يستقطب عادة مسؤولين تنفيذيين وشخصيات اقتصادية من مختلف أنحاء العالم، في اختبار جديد لقدرة المملكة على مواصلة استضافة الفعاليات الدولية في ظل التصعيد الإقليمي.