تعمل الجزائر، بخطى متسارعة، على إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في حماية تراثها الثقافي، في سياق وطني طموح يهدف إلى تسخير الثورة التكنولوجية لخدمة الهوية الوطنية. ويُعد هذا التوجه جزءًا من الاستراتيجية الوطنية للرقمنة التي تشرف عليها الحكومة، تحت قيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بهدف مواكبة التحولات العالمية المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة.
وفي إطار تجسيد هذا التوجه، أكّد وزير الثقافة والفنون، زهير بللو، خلال افتتاحه للملتقى الدولي “التراث الثقافي في عصر الذكاء الاصطناعي”، الذي احتضنته المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، أن قطاع الثقافة قد انخرط فعليًا ضمن خارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي، عبر إطلاق 12 مشروعًا محوريًا، تشمل رقمنة المعالم التاريخية، وتطوير أدوات رقمية لحفظ الموروث الثقافي، وتعزيز البحث العلمي في هذا المجال.
وتسعى الوزارة، من خلال المركز الوطني لعلم الآثار، إلى استكمال إنجاز الخريطة الأثرية الوطنية، وإطلاق نظام معلومات جغرافي تفاعلي يدعم اتخاذ القرار الثقافي. كما أعلنت عن مقاربة اقتصادية جديدة تستند إلى تثمين التراث كمورد استراتيجي للتنمية، مع دعم الشباب والمؤسسات الناشئة الناشطة في هذا المجال.
وفي هذا السياق، تم إطلاق أول تحدٍ وطني للطلبة في الذكاء الاصطناعي الموجه لحماية التراث، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، بهدف اكتشاف مشاريع مبتكرة وتكريم أفضلها في ختام شهر التراث.
ويبرز الذكاء الاصطناعي كأداة فعالة في مجال الرقمنة الثقافية، إذ توظفه العديد من الدول لإنشاء أرشيفات رقمية للقطع الأثرية، وتحليل النصوص التاريخية، وحتى إعادة بناء المواقع الأثرية باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي. وفي هذا الصدد، استعرض الملتقى تجارب رائدة من دول مثل البرازيل، أستراليا، الهند، وقطر، حيث تم عرض مشاريع بحثية حول التوأم الرقمي، الترميم الافتراضي، وكشف التزوير الفني، وغيرها من التطبيقات الحديثة التي باتت تساهم في حفظ الذاكرة الإنسانية.
وفي تصريح للبروفيسور عبد القادر دحدوح، المختص في التراث الثقافي، شدد على أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا غير مسبوقة لحماية التراث، لكنه يتطلب توظيفًا مدروسًا يرتكز على الطاقات البشرية الجزائرية التي تمتلك من الكفاءة والقدرة ما يؤهلها للريادة إقليميًا.
إن حرص الدولة الجزائرية على تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة التراث الثقافي يؤكد وجود إرادة سياسية واضحة واستراتيجية مستقبلية واعدة. وبين توظيف التكنولوجيا الحديثة وتثمين الرأسمال البشري، تبدو الجزائر ماضية نحو بناء نموذج رقمي متكامل يضمن حفظ هويتها الثقافية وتاريخها الحضاري، ويجعل من التراث أداة للتنمية والاستثمار في المستقبل.







