كتب بلقاسم جبار
في كل مرة تتقدم فيها العلاقات الجزائرية الفرنسية خطوة نحو التهدئة، يخرج اليمين المتطرف في فرنسا ليعيد فتح ملفات التاريخ بمنطق الإقصاء والإنكار، وكأن الماضي الاستعماري يمكن إعادة صياغته بما يتوافق مع حسابات انتخابية أو خطابات شعبوية. لكن التاريخ، مهما حاول البعض تزييفه، يبقى شاهدًا لا يمكن محوه، والذاكرة الوطنية ليست سلعة تخضع للمساومة.
ومن هذا المنطلق، جاءت تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لتؤكد أن الجزائر لا تدافع عن التاريخ بدافع الخصومة، بل انطلاقًا من مسؤوليتها في صون ذاكرة شعب دفع ثمن حريته ملايين الشهداء، وخاض واحدة من أعظم حركات التحرر في القرن العشرين. فالدولة التي تعرف قيمة تضحيات أبنائها لا يمكن أن تقبل بتحويل تاريخها إلى مادة للمزايدات السياسية أو إلى رواية يكتبها من كان بالأمس طرفًا في المأساة.
لقد اختارت الجزائر منذ سنوات أن تتعامل مع فرنسا بمنطق الدولة الواثقة من نفسها، فلم تجعل من قضايا الذاكرة وسيلة للابتزاز، ولم تربط مستقبل العلاقات الثنائية باعتذار أو تعويض أو امتيازات سياسية. وفي المقابل، أكدت باستمرار أن أي شراكة حقيقية لا يمكن أن تُبنى إلا على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالحقائق التاريخية، والابتعاد عن خطاب الكراهية والاستعلاء.
وإذا كان بعض السياسيين في فرنسا لا يزالون يعتقدون أن إنكار الماضي يمنحهم مكاسب داخلية، فإن الواقع يثبت أن مثل هذه الخطابات لا تؤدي إلا إلى تعقيد العلاقات بين البلدين، وإبقاء جراح التاريخ مفتوحة. أما الشعوب، فهي أكثر وعيًا من أن تنخدع بروايات تتجاهل حقائق موثقة في الأرشيفات الدولية، وشهادات المؤرخين، والذاكرة الحية لملايين الجزائريين.
إن قوة الجزائر اليوم لا تكمن فقط في مواقفها السياسية، بل أيضًا في قدرتها على الدفاع عن ثوابتها بهدوء وثقة، دون انفعال أو تنازل. وهذا ما يجعل موقفها من قضايا التاريخ والذاكرة امتدادًا لمبدأ ثابت مفاده أن السيادة لا تتجزأ، وأن احترام تاريخ الأمم شرط أساسي لاحترام حاضرها ومستقبلها.
إن المرحلة الراهنة تفرض على النخب السياسية في فرنسا، أكثر من أي وقت مضى، التحرر من الإرث الأيديولوجي الذي ينظر إلى الجزائر بعين الماضي، والانخراط في بناء علاقة جديدة قائمة على الندية والاحترام المتبادل. فالتعاون الحقيقي لا يولد من إنكار الوقائع، وإنما من الاعتراف بها، ومن الإيمان بأن المستقبل لا يُبنى إلا على أسس صلبة من الصدق والاحترام.
وفي النهاية، يبقى الدفاع عن الذاكرة الوطنية ليس موقفًا سياسيًا عابرًا، بل واجبًا أخلاقيًا وتاريخيًا. ومن هذا المنطلق، فإن تمسك الجزائر بقيادتها ومؤسساتها بروايتها التاريخية ليس رفضًا للمصالحة، وإنما تأكيد على أن المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالحقيقة، لأن الأمم التي تحفظ تاريخها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها بثقة واقتدار.







