قانون منسي يصطدم بواقع الزواج بالفاتحة
دخيل بشرى
في وقت لا يزال فيه الزواج بالفاتحة أو ما يُعرف بالزواج العرفي منتشراً داخل المجتمع الجزائري، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام مفارقة حادة بين ما يعتقدونه ارتباطاً مشروعاً وما يقره القانون فعلياً، خاصة في ظل جهل واسع بمادة قانونية حاسمة صدرت منذ سنة 2005 ولا تزال سارية المفعول إلى اليوم، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش عميق حول الفجوة بين النص القانوني والممارسة الاجتماعية في الجزائر.
هذا الواقع يعكس بوضوح إشكالية غياب الوعي القانوني بخطورة الزواج بالفاتحة في الجزائر وعلاقته المباشرة بالمتابعة الجزائية وفق قانون العقوبات، حيث يعتقد البعض أن قراءة الفاتحة كافية لإضفاء الشرعية على العلاقة، في حين تؤكد الاجتهادات القضائية أن أي علاقة خارج إطار عقد زواج رسمي موثق في سجلات الحالة المدنية لا تحظى بأي حماية قانونية، بل قد تتحول إلى محل متابعة قضائية في قضايا تمس الأخلاق العامة.
وقد حسمت المحكمة العليا هذا الجدل منذ قرارها الصادر في 1 جوان 2005، عندما أقرت مبدأ قانونياً واضحاً يقضي بعدم الاعتداد بالزواج العرفي كوسيلة لإسقاط تهمة الزنا، مؤكدة أن إثبات الزواج في المجال الجزائي يظل محصوراً حصراً في العقود الرسمية، وهو ما يعني أن الاحتجاج بقراءة الفاتحة أو الأعراف الاجتماعية لا يشكل دليلاً مقبولاً أمام القضاء.
ورغم مرور أكثر من عشرين سنة على هذا القرار، إلا أن كثيراً من المواطنين لا يزالون يجهلون مضمونه وتداعياته، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول دور الإعلام والمؤسسات في نشر الثقافة القانونية، خاصة في قضايا تمس الحياة اليومية للأفراد بشكل مباشر، وتؤثر على استقرار الأسرة والمجتمع.
ويؤدي هذا الجهل إلى استمرار ممارسات قد تضع أصحابها في مواجهة مباشرة مع القانون، حيث لا يُقبل الزواج بالفاتحة كدفع لوقف المتابعة أو طلب الإفراج في القضايا الجزائية، وهو ما يعكس صرامة واضحة في تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بحماية النظام العام، ويغلق الباب أمام أي تأويلات قد تستند إلى الأعراف غير الموثقة.
كما يعيد هذا الملف طرح ضرورة التوفيق بين الواقع الاجتماعي والإطار القانوني، من خلال تعزيز التوعية بمخاطر الزواج غير الموثق، وتبسيط المعلومة القانونية للمواطن، بما يضمن تفادي الوقوع في إشكالات قانونية معقدة، ويكرس ثقافة قانونية قائمة على الفهم والالتزام بدل الاعتماد على ممارسات تقليدية لا يعترف بها القانون.
في المحصلة، يكشف هذا الموضوع عن فجوة حقيقية بين قانون قائم منذ سنوات طويلة وواقع اجتماعي لا يزال يتعامل بمنطق مختلف، ما يجعل من نشر الوعي القانوني أولوية ملحة لتفادي صدامات متكررة بين المواطن والنص القانوني، خاصة في قضايا حساسة تمس الأسرة والنظام العام.







