تتعمق الأزمة البيئية في قطاع غزة مع استمرار تراكم مئات آلاف الأمتار المكعبة من النفايات داخل الأحياء السكنية ومحيط مراكز الإيواء، في ظل صعوبات ميدانية تحول دون الوصول إلى المكبات الرئيسية شرق القطاع، ما ينذر بتداعيات صحية خطيرة تطال نحو 2.4 مليون نسمة يعيشون في واحدة من أعلى المناطق كثافة سكانية في العالم.
في مدينة غزة، برز مشهد سوق فراس الشعبي وقد تحول إلى مكب نفايات مؤقت، بعد امتلاء المكب السابق في سوق اليرموك وعدم قدرة الطواقم البلدية على الوصول إلى مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية.
وأوضح مدير عام التخطيط في بلدية غزة ماهر سالم أن اللجوء إلى هذا الخيار جاء تحت ضغط الظروف الطارئة، مع تعذر فتح مواقع بديلة شرق شارع صلاح الدين أو جنوب المدينة.
وأشار إلى أن البلدية حصلت، بعد جهود تنسيق طويلة، على موافقة لنقل أكثر من 350 ألف متر مكعب من النفايات المتراكمة إلى منطقة أبو جراد في المحررات، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، غير أن العملية واجهت تعطيلات متكررة، ما يجعل ترحيل الكميات الحالية يستغرق ما بين ستة إلى ثمانية أشهر، في وقت تتجاوز فيه الكميات الإجمالية في مختلف مناطق القطاع مليون متر مكعب.
وتنتشر في القطاع قرابة 60 مكباً عشوائياً، منها 40 في غزة والشمال، ما يعكس حجم الأزمة وتعقيداتها. ويؤكد مسؤولو البلدية أن الحل الجذري يكمن في استعادة الوصول إلى المكبات الرئيسية في جحر الديك وصوفا، محذرين من أن الاكتفاء بالحلول المؤقتة يعني ترحيل المشكلة زمنياً فقط، خصوصاً أن المكبات البديلة قد تمتلئ خلال أشهر قليلة وتصبح ملاصقة لمخيمات النازحين.
من جانبه، حذر الخبير البيئي البروفيسور عبد الفتاح عبد ربه من خطورة المكبات المؤقتة التي تستقبل يومياً نحو مليوني كيلوغرام من النفايات، واصفاً إياها بـ”قنابل بيئية” تهدد الهواء والتربة والمياه الجوفية.
وأوضح أن حرق النفايات أو تحللها ينتج غازات وجزيئات سامة تؤثر في الجهاز التنفسي والجلد والعينين، في منطقة يقطنها ما بين 10 إلى 20 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد.
كما نبه إلى أن المكبات غير المبطنة تسمح بتسرب العصارة الملوثة إلى الخزان الجوفي الذي يعاني أصلاً من تدهور حاد، ما يفاقم أزمة المياه ويؤثر في خصوبة التربة وصلاحيتها للزراعة، فضلاً عن انتشار الحشرات والقوارض والكلاب الضالة التي تنقل الأمراض، إضافة إلى مخاطر التلوث البحري في المواقع القريبة من الساحل.
وتتداخل في هذه الأزمة الأبعاد البيئية والصحية والإنسانية، في مشهد يعكس حجم التحدي الذي يواجه البلديات المنهكة، والتي تؤكد حاجتها الماسة إلى آليات ومعدات ووقود وقطع غيار ودعم مالي عاجل، لتفادي انفجار صحي واسع النطاق في ظل استمرار تعقيدات الوصول إلى المكبات الرئيسية شرق وجنوب قطاع غزة.







