image_pdfimage_print

أثار قرار الرئيس الصيني شي جين بينغ إبعاد أحد أبرز قادة المؤسسة العسكرية من هرم القيادة العليا للجيش موجة تساؤلات واسعة داخل الأوساط المتابعة للشأن الصيني، وسط قراءات تعتبر الخطوة جزءا من مسار متصاعد لإحكام السيطرة السياسية على الجيش وتفكيك مراكز النفوذ القديمة، في توقيت حساس يرتبط بترتيبات داخلية وبحسابات خارجية تشمل تايوان والولايات المتحدة.

أعادت تقارير أمريكية فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين القيادة السياسية في بكين والمؤسسة العسكرية، بعد خطوة وُصفت بأنها غير معتادة في أعلى مستويات الحكم، تمثلت في إقصاء قائد عسكري بارز من الدائرة الضيقة التي تدير الجيش، في سياق حملة تطهير واسعة يقودها الرئيس شي جين بينغ منذ سنوات.

وتذهب تحليلات إلى أن هذه التطورات لا تعكس فقط رغبة في مكافحة الفساد داخل المؤسسة العسكرية، بل تشير أيضا إلى أزمة ثقة متجذرة بين الحزب الحاكم والجيش، وإلى قناعة لدى شي بأن ضمان الولاء السياسي الكامل يتقدم على أي اعتبار آخر، بما في ذلك العلاقات الشخصية والتحالفات القديمة التي ساعدت في تثبيت سلطته خلال مراحل سابقة.

وتلفت المصادر إلى أن القائد المُبعد كان يعد من أقرب الشخصيات إلى شي داخل القيادة العسكرية، وأن علاقتهما تمتد لعقود طويلة، ما جعل القرار يبدو بمثابة رسالة مباشرة مفادها أن موقع أي مسؤول، مهما كانت مكانته، يبقى قابلا للإطاحة إذا اشتبهت القيادة في أنه أصبح عبئا أو خطرا محتملا على توازن السلطة.

وفي تفسير الدوافع، يبرز عامل التوقيت كعنصر محوري. فالمراقبون يرون أن إزاحة شخصية رفيعة قبل فترة قصيرة من استحقاقات تنظيمية داخل الحزب، وقبل التقاعد المتوقع، تحمل طابعا استعراضيا هدفه تثبيت الهيمنة المطلقة وإعادة ترتيب مراكز القوة قبل المؤتمر القادم، مع الإيحاء بأن الحزب لا يقبل أي هامش استقلال داخل الجيش.

وتشير القراءة الرسمية إلى أن الإقالة جاءت بسبب ملفات فساد و”مشاكل سياسية” تمس بمبدأ القيادة الحزبية المطلقة للقوات المسلحة، غير أن عددا من المتابعين يعتبرون أن هذا التبرير قد يخفي خلفه صراعات نفوذ داخلية أو اشتباكات غير معلنة حول طبيعة القرار العسكري، خاصة أن ملفات الفساد داخل بعض الإدارات العسكرية معروفة منذ سنوات ولم تمنع استمرار صعود بعض القيادات سابقا.

وفي خلفية هذه التطورات، تتقاطع الاعتبارات الداخلية مع حسابات الخارج. إذ يرى محللون أن شي يتحرك وهو يشعر بهدوء نسبي في البيئة الدولية، ما يمنحه هامشا لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية دون ضغط فوري، مع الاستمرار في رفع جاهزية الجيش لأي احتمال صراع مستقبلي، خصوصا في ملف تايوان الذي يبقى الأكثر حساسية في الاستراتيجية الصينية.

كما أن تقليص عدد أعضاء القيادة العسكرية العليا وإعادة ملء المناصب لاحقا يفتح الباب أمام إعادة تشكيل اللجنة العسكرية المركزية وفق مقاسات جديدة، وربما توسيع حضور المدنيين فيها لتعزيز قبضة الحزب على القرار العسكري، وهو خيار يقرأه البعض باعتباره تحولا منطقيا في نموذج الحكم لدى شي القائم على مركزية السلطة.

وفي المحصلة، يرى مراقبون أن ما يجري داخل الجيش الصيني يتجاوز عنوان “محاربة الفساد”، ليعكس عملية إعادة هندسة سياسية للمؤسسة الأكثر حساسية في الدولة، ضمن معادلة يصر شي على تثبيتها: جيش شديد الانضباط، عالي الكفاءة، لكنه قبل ذلك كله خاضع بالكامل لإرادة الحزب دون أي مساحات مستقلة.

 

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *