دخلت صناعة الترفيه العالمية مرحلة غير مسبوقة من الصراع، بعد تقديم شركة باراماونت سكاي دانس للإنتاج عرضا عدائيا للاستحواذ على مجموعة وارنر براذرز ديكسفري بقيمة تقارب 108 مليارات دولار، في خطوة تهدف إلى إجهاض صفقة استحواذ كانت نتفلكس قد أعلنتها رسميا للاستحواذ على العملاق الإعلامي الأمريكي.
اللافت في هذا التطور هو انضمام ثلاثة صناديق ثروة سيادية خليجية عربية إلى فريق تمويل العرض، ويتعلق الأمر بصندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة العماد القابضة في أبوظبي، إلى جانب جهاز قطر للاستثمار، ما يمنح الصفقة بعدا سياسيا واقتصاديا وإعلاميا يتجاوز حدود السوق الأمريكية.
وتحظى باراماونت سكاي دانس أيضا بدعم شركة أفينيتي بارتنرز، التي أسسها جاريد كوشنر، والتي تضم ضمن استثماراتها أموالا من صناديق سيادية في كل من قطر والإمارات، ما يعكس تشابكا واسعا للمصالح المالية العابرة للقارات في واحدة من أكبر معارك الاستحواذ بتاريخ هوليوود.
وكانت نتفلكس ووارنر براذرز ديكسفري قد أعلنتا مؤخرا التوصل إلى اتفاقية نهائية تستحوذ بموجبها نتفلكس على المجموعة، وهو ما أثار مخاوف واسعة في أوساط المنتجين، ودور العرض السينمائي، والنقابات المهنية، نظرا للتأثيرات المحتملة على مستقبل السينما التقليدية وتوازن سوق الترفيه العالمي.
وتتركز أبرز المخاوف حول نموذج عمل نتفلكس، القائم على عرض إنتاجاتها حصريا على منصتها الرقمية، مع طرح محدود في قاعات السينما، ما يهدد بشكل مباشر عائدات دور العرض. كما تثار مخاوف ثقافية متزايدة تتعلق بما تصفه أطراف عدة بتوجهات “ثقافة اليقظة” والترويج الواسع لقضايا الهوية الجنسية داخل المحتوى الذي تنتجه المنصة.
وتشمل الصفقة استوديوهات السينما والتلفزيون التابعة لورانر براذرز ديكسفري، إضافة إلى منصتي HBO Max وHBO، فيما سيتم فصل شبكة سي أن أن الإخبارية وقنوات الكابل في كيان مستقل تحت اسم “ديسكفري غلوبال”، ليبقى خارج نطاق الاستحواذ.
وفي حال إتمام الصفقة، ستحصل نتفلكس على حقوق سلاسل سينمائية وتلفزيونية عملاقة كانت تفتقدها، أبرزها عالم هاري بوتر، ودي سي كوميكس بشخصياته الشهيرة مثل باتمان وسوبرمان، إلى جانب مسلسلات أيقونية مثل صراع العروش والأصدقاء، فضلا عن مكتبة HBO المعروفة بإنتاجاتها النخبوية.
وتبلغ قيمة الصفقة التي أعلنتها نتفلكس حوالي 82.7 مليار دولار، بسعر 27.75 دولارا للسهم الواحد من أسهم وارنر براذرز ديكسفري، منها 72 مليار دولار قيمة أسهم، وهو ما اعتبره مراقبون رقما ضخما يعكس حجم الرهان على إعادة تشكيل سوق الترفيه العالمي.
وفي هذا السياق، قال نيل كويليام، الشريك في شركة أزور ستراتيجي بلندن، إن التحالف الخليجي الثلاثي غير معتاد في مثل هذه الصفقات، لكنه يسمح لهذه الدول بالخروج من أطرها الإعلامية الإقليمية والدخول مباشرة إلى قلب صناعة الإعلام العالمية، بما يمكنها من التأثير في السرديات الإعلامية الدولية.
من جهتها، أكدت نتفلكس أنها تتوقع خفض التكاليف السنوية بما يتراوح بين ملياري وثلاثة مليارات دولار بحلول السنة الثالثة بعد إتمام الصفقة، مشددة على أنها ستحافظ على عرض أفلام وارنر براذرز في قاعات السينما، وستواصل دعم المبدعين في هوليوود وتعزيز الإنتاج داخل الولايات المتحدة.
وقال الرئيس التنفيذي المشارك لنتفلكس، تيد ساراندوس، إن مهمة الشركة كانت دائما ترفيه العالم، معتبرا أن الجمع بين مكتبة وارنر براذرز ونتفلكس سيسمح بتقديم محتوى أوسع وأكثر تنوعا للجماهير، والمساهمة في رسم ملامح مستقبل سرد القصص عالميا.
في المقابل، أبدت نقابة الكتاب الأمريكيين رفضها القاطع للاندماج، معتبرة أن استحواذ أكبر منصة بث في العالم على أحد أكبر منافسيها يتعارض مع قوانين مكافحة الاحتكار. كما حذرت منظمة “سينما يونايتد”، التي تدير آلاف شاشات العرض حول العالم، من أن الصفقة قد تقضي على نحو 25 بالمئة من نشاط دور السينما محليا.
وتعهدت نقابة المخرجين الأمريكيين بعقد اجتماعات مع إدارة نتفلكس لفهم رؤيتها المستقبلية وتوضيح المخاوف المتعلقة بحقوق المبدعين واستقلالية الإنتاج.
ويأتي هذا الصراع في سياق موجة استحواذات كبرى شهدتها هوليوود خلال السنوات الأخيرة، أبرزها استحواذ ديزني على توينتي فرست سنتشري فوكس عام 2019 بقيمة 71 مليار دولار، واستحواذ أمازون على استوديو إم جي إم عام 2022 مقابل 8.5 مليارات دولار، في مؤشرات واضحة على تحول شركات التكنولوجيا إلى لاعبين رئيسيين في صناعة السينما.
إلى جانب البعد الاقتصادي، تبرز مخاوف ثقافية متعلقة بتوجهات نتفلكس في ما يخص تمثيل الهوية الجنسية داخل أعمالها. وتشير بيانات الشركة بين 2018 و2023 إلى ارتفاع نسب تمثيل شخصيات من مجتمع الميم، خاصة في المسلسلات، وهو ما يثير جدلا متزايدا حول تأثير ذلك على السلاسل الكلاسيكية في حال إعادة إنتاجها أو تطويرها مستقبلا.
وبين تحالفات المال والسياسة، ومخاوف الإبداع والهوية، تبدو معركة وارنر براذرز أبعد من مجرد صفقة تجارية، لتتحول إلى صراع مفتوح على مستقبل السينما وصناعة الترفيه في العالم.







