دخلت أمريكا اللاتينية مرحلة توتر غير مسبوقة، عقب عملية عسكرية أمريكية واسعة استهدفت فنزويلا، وانتهت بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، بالتزامن مع ضربات جوية طالت العاصمة كاراكاس ومناطق أخرى شمالي البلاد، ما دفع السلطات الفنزويلية إلى إعلان حالة الطوارئ.
ووفق ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز، فإن هذا التصعيد العسكري جاء تتويجًا لمسار طويل من الضغوط السياسية والاقتصادية، شمل حصارًا بحريًا متشددًا ومصادرة ناقلات نفط فنزويلية خلال الأسابيع الماضية، ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول الدوافع الحقيقية للتحرك الأمريكي.
وأشار التقرير إلى أن ترامب لوّح قبل أيام من الهجوم بنيته الاحتفاظ بالنفط الفنزويلي المصادَر، مؤكدًا خلال تصريح صحفي في ولاية فلوريدا أن الولايات المتحدة قد تبيعه أو تضيفه إلى احتياطها الاستراتيجي، بل وتحتفظ بالسفن نفسها. وقبل تنفيذ الضربات، أعلنت واشنطن فرض حزمة عقوبات جديدة استهدفت قطاع النفط، شملت شركات وناقلات، ما أدى إلى اضطرار عدد من السفن لتغيير مسارها والعودة أدراجها، وفق تقارير بلومبيرغ.
وفي موازاة ذلك، كشفت الصحيفة أن روسيا تقدمت بطلب دبلوماسي رسمي لوقف ملاحقة إحدى ناقلاتها المتجهة إلى فنزويلا، في وقت شددت فيه الولايات المتحدة الحصار البحري، ما أدى عمليًا إلى شلل شبه كامل في حركة تصدير النفط الفنزويلي.
ورغم تبرير واشنطن حملتها باتهام حكومة مادورو بتسهيل تهريب المخدرات وتصنيفها كـ”منظمة إرهابية”، إلا أن معطيات دولية تشير إلى أن حصة فنزويلا من المخدرات الواصلة إلى الولايات المتحدة محدودة، ما يعزز فرضية أن النفط يشكل المحرك الرئيسي لهذا التصعيد.
وفي هذا السياق، أعاد التقرير التذكير بخطاب ألقته زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو في ميامي، أمام رجال أعمال وسياسيين أمريكيين، تحدثت فيه عن فرص استثمارية تتجاوز قيمتها 1.7 تريليون دولار، داعية إلى فتح قطاع النفط والغاز أمام الشركات الأمريكية، إلى جانب قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية.
وأكد ترامب في تصريحات سابقة أن فنزويلا تمثل هدفًا استراتيجيًا في أجندته، سواء من زاوية السيطرة على موارد الطاقة العالمية أو ترسيخ النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، خاصة أن البلاد تمتلك نحو 17 بالمئة من الاحتياطي النفطي العالمي المؤكد، متجاوزة احتياطيات الولايات المتحدة بأضعاف.
غير أن سنوات التأميم وسوء الإدارة أدت إلى تراجع حاد في الإنتاج، وسط انسحاب أو تقليص نشاط معظم الشركات الأجنبية، باستثناء شركة شيفرون التي واصلت العمل ضمن هامش ضيق. وفي المقابل، برزت الصين كأكبر مستثمر أجنبي في النفط الفنزويلي، حيث تستحوذ على الحصة الأكبر من الصادرات، رغم تراجع استثماراتها الجديدة.
ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تنظر إلى النفط الفنزويلي كتعويض مباشر عن التدخلات والمساعدات الأمريكية الخارجية، وهو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة، حين تحدث صراحة عن “استعادة” النفط والأصول التي يعتبرها منهوبة.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في فنزويلا، وتراجع السيولة المالية، تصبح كل ناقلة نفط مصادَرة ضربة قاسية لإيرادات الدولة، بحسب مسؤولين أمريكيين سابقين. وفي ظل هذا المشهد، تتقاطع حسابات السياسة والنفط والاستثمار، بينما تبقى فنزويلا ساحة مفتوحة لصراع دولي تتجاوز تداعياته حدود البلاد إلى مجمل أمريكا اللاتينية.







