image_pdfimage_print

في مواجهة جديدة لمحاولات السطو على مكونات الهوية الجزائرية، جدّد وزير الاتصال، محمد مزيان، التأكيد على الأصل الجزائري لطبق “الكسكس”، مستندًا إلى شهادات تاريخية ومرجعيات أكاديمية معتبرة. تصريح الوزير جاء خلال جلسة رسمية بمجلس الأمة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى محور هجوم إعلامي مغربي-فرنسي مشترك، في مشهد يعكس مدى حساسية الرباط تجاه كل ما يُثبت امتداد الهوية الجزائرية.

وسائل إعلام مغربية، مدعومة بمنابر فرنسية على غرار مجلة Marie France، حاولت الطعن في كلام الوزير بدعوى غياب التفاصيل الدقيقة حول المصادر. إلا أن متخصصين في التراث والمأثورات الشعبية، من بينهم الكاتبة الجزائرية ياسمينة سلام، سارعوا لتفنيد تلك المزاعم، مستشهدين بمؤلفات وبحوث تؤكد أن الكسكس نشأ في منطقة نوميديا القديمة، الواقعة في شمال الجزائر، حيث ازدهرت زراعة القمح والشعير – وهما مكونان أساسيان للكسكس – منذ العصور القديمة.

ومن بين الأسماء التي دعمت هذا الطرح، المؤرخ الفرنسي دونيس سايار، الذي رجّح في دراسته الأصل الجزائري للطبق استنادًا إلى أدلة أثرية ووقائع تاريخية حول التبادل التجاري بين نوميديا وروما. كما استُحضرت شهادات من الرحالة ليون الإفريقي والمؤرخ جان بوتيرو لتدعيم الرواية الجزائرية.

تصريحات الوزير لم تكن في سياق نقاش “ترف غذائي”، كما صوّرها البعض، بل وردت ضمن مداخلة رسمية شاملة حول سرقة المغرب لرموز من التراث الجزائري، بدءًا من الأزياء التقليدية وصولًا إلى الطبخ. ويُذكر أن حديث الوزير سبق اندلاع التصعيد الأخير في الشرق الأوسط، ما ينفي التهم السطحية التي وُجهت له حول توقيت تصريحه.

الحملة الإعلامية الأخيرة تكشف عن رغبة مكشوفة في تشويه الموقف الجزائري كلما تعلّق الأمر بإثبات حقيقة تاريخية. وهي ليست جديدة، بل تأتي ضمن سلسلة من محاولات فاشلة للمخزن في نسب عناصر من التراث الجزائري لنفسه، في إطار صراع طويل حول الرموز الثقافية.

الجزائر، من جهتها، لا تبحث عن معارك جانبية، لكنها ترفض أن يُنتزع منها إرثها الحضاري. ففي قضية الكسكس كما في غيرها، لا مجال للمجاملة عندما يتعلّق الأمر بهوية أمة.

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *