Homeأخباروطنيحين يُعامل الصحفي كمتهم: مساءلات تدعو لمراجعة العلاقة بين القضاء وقانون الإعلام
حين يُعامل الصحفي كمتهم: مساءلات تدعو لمراجعة العلاقة بين القضاء وقانون الإعلام
0
200
0
0
من بين أبرز ما طُرح خلال أيام “مساءلة الصحافة” التي نظمتها وزارة الاتصال مؤخرًا، تلك الأسئلة الحادة التي أثارها الصحفيون بشأن المسارات القضائية التي تُفتح في وجههم، لا بصفتهم مهنيين في مهنة محمية بالقانون، بل كما لو أنهم متهمون جنائيون. عدد من المداخلات ركزت على واقع مؤسف يتمثل في متابعة الصحفيين في قضايا نشر بموجب قانون العقوبات، وليس وفق قانون الإعلام، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام القوانين الخاصة المنظمة للمهنة.
في حالات عديدة، يُستدعى الصحفي إلى المحاكمة بتهم مستندة إلى مواد من قانون العقوبات، أبرزها المادة 144 التي تجرّم الإهانة أو القذف، دون المرور على ما ينص عليه قانون الإعلام من آليات كفيلة بتصويب الأخطاء المهنية مثل “حق الرد”، وهو أحد الأعمدة الأساسية لأخلاقيات العمل الصحفي. هذا الواقع يعكس خللًا في التطبيق القضائي للقوانين، بل وازدواجية في التعامل مع الفعل الإعلامي، بما يُفرغ قانون الصحافة من مضمونه.
الخبراء والمختصون الذين أطروا هذه اللقاءات، ومن بينهم أساتذة جامعيون وفاعلون في القطاع الإعلامي، أجمعوا على أن هذا الانحراف في التكييف القانوني لا يعود إلى قصور في التشريع الإعلامي ذاته، بل إلى تجاهل بعض القضاة لمضامينه، نتيجة غياب التكوين المتخصص في قوانين الإعلام داخل المحيط القضائي. وهو ما دفع بالمهنيين إلى رفع توصية واضحة إلى وزارة الاتصال، تطالب بضرورة التنسيق العاجل مع وزارة العدل من أجل إدراج قوانين الإعلام ضمن منظومة التكوين القضائي.
المطلب يتجاوز مجرد تنسيق تقني، ليكون شرطًا أساسيًا لضمان العدالة في التعامل مع الصحافة، واحترام خصوصية المهنة، التي تُعدّ من ركائز أي نظام ديمقراطي. كما أن احترام قانون الإعلام لا يعني توفير حصانة للصحفي بقدر ما يضمن له الحق في ممارسة مهنته وفق القانون، دون أن يُجرّ إلى ساحات المحاكم في قضايا نشر يمكن حلها بإجراءات مهنية واضحة.
في ظل هذا السياق، تكتسب التوصيات التي ستُرفع إلى رئيس الجمهورية أهمية بالغة، لكونها تمس جوهر العلاقة بين حرية التعبير والسلطة القضائية، وتدفع باتجاه بناء منظومة قانونية متكاملة تضمن استقلالية الإعلام وتحصينه ضد أي تعسف في التكييف القانوني.
إن إعادة الاعتبار لقانون الإعلام، والاعتراف بخصوصية الممارسة الصحفية، ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية لحماية المسار الديمقراطي في الجزائر، ولضمان أن لا يُعامل الصحفي في قضايا النشر كما لو كان خارجًا عن القانون، بينما هو في الواقع جزء من ضمير المجتمع.