image_pdfimage_print

 

لا تزال فرنسا تتقن لعب دور “الأستاذ الأخلاقي” في العالم، توزع شهادات الديمقراطية وحقوق الإنسان كما تشاء، لكنها تتناسى سجلها الأسود في القمع والاستغلال. بلد يفاخر بمبادئ الحرية والمساواة، بينما يواصل تبرير جرائمه الاستعمارية ويصرّ على التدخل في شؤون الدول التي أذاقها ويلات الاحتلال لعقود.

لم يكن خروج فرنسا من مستعمراتها نهاية عهدها الاستبدادي، بل استبدلته بأساليب أكثر خبثًا: فرض الهيمنة الاقتصادية، التحكم في القرار السياسي، وإشعال الأزمات كلما حاولت الدول التحرر من قبضتها. إفريقيا نموذج صارخ لهذا السلوك، حيث ما زالت باريس تحكم قبضتها عبر النُخب الموالية، وصناديق الاقتراع التي لا تعني شيئًا أمام نفوذها المستتر.

وإذا كانت فرنسا تدّعي الدفاع عن الديمقراطية، فلماذا تنقلب على الأنظمة المنتخبة حين لا تخدم مصالحها؟ ولماذا تواصل دعم الحكام الذين يسبّحون بحمدها، بينما تعاقب الشعوب التي تختار طريقها بنفسها؟ إنها نفس العقلية الاستعمارية القديمة بوجه جديد، حيث تبقى الشعوب أدوات لخدمة “المصالح العليا” لفرنسا التي لا ترى في الآخرين سوى مستعمرات اقتصادية وسياسية.

ولعل أبشع الجرائم الفرنسية بحق الشعوب، ما كشفه الباحث الجزائري في الهندسة النووية، عمار منصوري، الذي أكد أن فرنسا الاستعمارية بدأت في استخدام الأسلحة الكيميائية ضد السكان الجزائريين منذ 1830، حيث أدى أول استخدام لها إلى ما لا يقل عن 760 ضحية. ووفقًا لشهادات ضباط فرنسيين، فقد تم استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الجزائريين 300 مرة بين عامي 1830 و1962، ودُمرت 800 قرية باستخدام النابالم، كما أُلقي 800,000 طن من مادة “تي إن تي” على مناطق الجنوب الجزائري.

وفي سنة 1845، قتل ما لا يقل عن 1000 شخص من قبيلة “أولاد رياح” في مستغانم اختناقًا داخل كهف، بينما كان أحد جنرالات الجيش الفرنسي يتباهى بإحراق العرب. كما تم استخدام الكلوروفورم والفوسفور لأول مرة عام 1852 خلال اجتياح الأغواط، ما أسفر عن 3586 ضحية. ولم تكتفِ فرنسا بهذه الجرائم، ففي عام 1930، أجرت تجارب على جميع أنواع الأسلحة الكيميائية في تقرت، بني ونيف، ووادي الناموس.

تأثير هذه الأسلحة كان كارثيًا، إذ تسببت الغازات المستخدمة مثل السارين والبيوتان والفوسفور في حروق وتلف الجهاز العصبي، بينما يبقى البلوتونيوم المستخدم في الهواء الطلق سامًا لمئات الآلاف من السنين. وعلى هذا الأساس، فإن الجزائر تمتلك حقًا مشروعًا في مطالبة فرنسا بتطهير المواقع الملوثة جراء التجارب النووية.

حان الوقت لكشف هذا النفاق الفرنسي المستمر، ولقطع الحبال التي ما زالت تربطنا بإرثها الاستعماري. فالشعوب التي نهضت بعد عقود من النهب والاستغلال لن تقبل بأن تظل رهينة لوصاية استعمارية، مهما تغيّرت الأسماء والوجوه. فرنسا اليوم لم تعد تملك مفاتيح اللعبة، وزمن الوصاية انتهى، وإن كانت باريس لا تريد الاعتراف بذلك، فستُجبر على مواجهته عاجلًا أم آجلًا.

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *