image_pdfimage_print

في قلب منتدى دافوس، وبينما كان الصحفي جدعون راتشمان عالقاً في ازدحام مروري، شاهد خطاب تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هاتفه. ما أثار استجابة قوية من إحدى المديرات التنفيذيات الأوروبيات التي كانت تشاركه الحافلة، حيث دفنت رأسها بين يديها وقالت: “لا أصدق أن هذا يحدث”.

لكن على الجانب الآخر، تبرز ردود فعل مختلفة تماماً من قبل المندوبين من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، حيث يرى العديد من الدول في الجنوب العالمي فوز ترامب كفرصة لهم، ويعتقدون أن الرئيس الأمريكي يمثل رجال الأعمال وصانع السلام. في دول مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل، يُظهر استطلاع الرأي أن هذه المشاعر تتجاوز النخب لتشمل قطاعات أوسع.

ومع ذلك، يطرح راتشمان تساؤلاً جوهرياً: ما الذي قد لا يعجب المرء في هذا؟ ويجيب، أن العالم الذي ينادي به ترامب، الخالي من القواعد الدولية، قد يكون ذا أبعاد خطيرة بالنسبة للدول الناشئة. فالنظام العالمي القائم على القواعد قد ساعد دولاً كالصين والهند وجنوب شرق آسيا على الازدهار في العقود الأخيرة.

التحولات التي يروج لها ترامب نحو عالم يعتمد على المعاملات بشكل مطلق قد تؤدي إلى نتائج غير مأمونة للدول الضعيفة. بحسب راتشمان، هذا النوع من السياسة قد يعرض بلدان الجنوب العالمي للخطر، حيث لا توجد قواعد لضبط التفاعلات الاقتصادية بين القوي والضعيف. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه البلدان ستصبح ضحايا للمنظومة الجديدة التي يروج لها الرئيس الأمريكي.

يستشهد الكاتب بحالة المكسيك، حيث تشكل صادراتها إلى الولايات المتحدة 80% من تجارتها الخارجية، ويُحتمل أن يؤدي فرض ترامب للرسوم الجمركية إلى دفع اقتصادها نحو الكساد. والتهديدات نفسها تشمل معظم الدول التجارية الكبرى في العالم، مما يعكس التوتر الذي قد يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

في عالم غير مستقر، حيث يتم تمزيق الاتفاقات التجارية من دون ضمانات للالتزام، يصبح من غير المؤكد أن صفقات التجارة ستظل آمنة. يبرز هذا الأمر من خلال المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك على اتفاق “USMCA”، حيث يطالب ترامب الآن بتنازلات إضافية.

ويشير راتشمان إلى أن شعوب الجنوب العالمي قد ترى في ترامب حالة أقل نفاقاً مقارنة بسابقيه، حيث يتوقف عن الوعظ الأخلاقي الذي كان يزعج الكثيرين، لكن الصورة الأكبر قد تكون مقلقة. فالولايات المتحدة بدأت تتنصل من دورها في المساعدات الإنسانية العالمية.

توجه ترامب نحو تقليص المساعدات الأمريكية سيؤثر سلباً على برامج حيوية مثل مكافحة فيروس نقص المناعة والإيدز، وهي برامج أنقذت حياة ملايين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم. في نفس الوقت، قد تؤدي سياسات ترامب إلى تصعيد التوترات الإقليمية، خاصة في مناطق مثل غزة، مما قد يتسبب في تدفق اللاجئين إلى دول مثل الأردن ومصر.

إلى جانب ذلك، تنتهج الإدارة الأمريكية سياسة تقليص الهجرة، وهو ما قد يضر بالطبقات المتوسطة في الجنوب العالمي التي قد تجد من الصعب الحصول على تأشيرات للعمل أو التعليم في الولايات المتحدة.

ومع أن ترامب قد يعد بتقليص الحروب في مناطق النزاع، فإن طموحاته في توسيع حدود أمريكا قد تتناقض مع هذا التوجه، مما قد يجعل بلدان الجنوب العالمي تراجع دعمها له. في النهاية، إذا كانت هناك فكرة واحدة ترفضها جميع هذه البلدان فهي الإمبريالية، وإذا تبين أن ترامب جاد في توسيع أراضي أمريكا، فإن تأييدهم له قد يختفي بسرعة.

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *