يواجه وزير الخارجية البريطاني الجديد إد ميليباند تحدياً دبلوماسياً معقداً منذ اليوم الأول لتوليه منصبه، في ظل تاريخ طويل من الخلافات العلنية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سبق أن تعرض لانتقادات لاذعة من السياسي البريطاني اليساري. ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة لندن على الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، رغم التباين الواضح في المواقف السياسية بين الرجلين.
ويعد ميليباند أحد أبرز وجوه الجناح اليساري في حزب العمال، ويعرّف نفسه باعتباره اشتراكياً ديمقراطياً، وقد نشأ في بيئة سياسية تأثرت بأفكار والده رالف ميليباند، أحد أشهر المنظرين الماركسيين في بريطانيا، إلى جانب والدته ماريون كوزاك، المعروفة بنشاطها في قضايا اليسار وحقوق الإنسان.
ويضع هذا الإرث الفكري الوزير البريطاني الجديد في مواجهة مباشرة مع إدارة أمريكية يقودها ترامب، الذي جعل من محاربة التيارات اليسارية أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي، ما يزيد من حساسية العلاقة بين الجانبين في الملفات الدولية المختلفة.
وتشير تقارير صحفية بريطانية إلى أن تعيين ميليباند على رأس الدبلوماسية البريطانية أثار تحفظات داخل الإدارة الأمريكية، إذ نقلت وسائل إعلام، من بينها “التلغراف” و”الإندبندنت”، أن مسؤولين مقربين من البيت الأبيض أبدوا قلقهم من تأثير مواقفه السابقة على مستقبل العلاقات بين لندن وواشنطن، معتبرين أن سجله الحافل بانتقاد ترامب قد يجعل مهمته الدبلوماسية أكثر تعقيداً.
وخلال السنوات الماضية، لم يخف ميليباند معارضته للرئيس الأمريكي، إذ وصفه في أكثر من مناسبة بأنه يتبنى خطاباً عنصرياً ومعادياً للنساء، كما اتهمه بإظهار تعاطف مع الأنظمة الاستبدادية والإضرار بالقيم الديمقراطية، وهي تصريحات تعود إلى حملته الانتخابية عام 2016، قبل أن يكرر مواقف مشابهة في أعوام لاحقة.
ولم تتوقف انتقاداته عند هذا الحد، فقد وصف سياسات ترامب بأنها تمثل مرحلة مظلمة للولايات المتحدة والعالم، داعياً إلى مواجهة ما سماه بـ”الترامبية”، كما شارك في فعاليات احتجاجية نُظمت في لندن رفضاً لزيارة الرئيس الأمريكي.
وفي سياق آخر، دخل ميليباند في سجال مع الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، أحد أبرز حلفاء ترامب، حيث اتهمه خلال مؤتمر لحزب العمال بنشر معلومات مضللة والتحريض على أعمال عنف داخل بريطانيا، قبل أن يوجه إليه عبارة حادة أثارت جدلاً واسعاً.
كما برز ميليباند كأحد أبرز المدافعين عن سياسات التحول نحو الطاقة النظيفة، معارضاً إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال، ومؤكداً أن مستقبل أمن الطاقة البريطاني يجب أن يعتمد على مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية، وهو ما وضعه في مواجهة مستمرة مع المحافظين وشركات الطاقة.
ورغم هذا السجل السياسي، يرى متابعون أن انتقال ميليباند من مقاعد المعارضة إلى قيادة وزارة الخارجية يفرض عليه تبني نهج أكثر براغماتية، خاصة أن إدارة العلاقات مع واشنطن تتطلب الحفاظ على المصالح المشتركة بعيداً عن الخلافات الشخصية.
وفي هذا السياق، دافع وزير الأعمال البريطاني جوناثان رينولدز عن قدرة الحكومة الجديدة على التعاون مع إدارة ترامب، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين تستند إلى مؤسسات قوية ومصالح استراتيجية تتجاوز مواقف الأفراد.
في المقابل، شنت وسائل إعلام بريطانية محسوبة على اليمين حملة انتقادات ضد تعيين ميليباند، معتبرة أن مواقفه السابقة قد تؤدي إلى توتر غير مسبوق مع الإدارة الأمريكية. وذهبت بعض التحليلات إلى توقع أن يكون الوزير الجديد أمام واحدة من أصعب المهمات الدبلوماسية في مسيرته، خصوصاً أن ترامب، بحسب مقربين منه، لا ينسى بسهولة التصريحات التي استهدفته في الماضي.
ويحمل إد ميليباند مسيرة سياسية طويلة داخل حزب العمال، كما سبق أن تولى عدداً من الحقائب الوزارية، ويعرف بدفاعه عن العدالة الاجتماعية وسياسات المناخ، إلى جانب مواقفه الناقدة لبعض السياسات الإسرائيلية، مع تأكيده في الوقت نفسه على حق إسرائيل في الوجود ورفضه لمعاداة السامية.
ويذكر أن شقيقه الأكبر ديفيد ميليباند سبق أن شغل منصب وزير الخارجية البريطاني بين عامي 2007 و2010، قبل أن يخسر أمام إد في انتخابات زعامة حزب العمال عام 2010، في واحدة من أبرز المحطات السياسية داخل الحزب.







