عادت العلاقات السعودية الإماراتية إلى واجهة المشهد برسائل سياسية وإعلامية حملت إشارات واضحة إلى الرغبة في تجاوز مرحلة التوتر، بعدما شهدت الأشهر الماضية تباينات ملحوظة في عدد من الملفات الإقليمية، أبرزها الأزمة اليمنية وسياسات الطاقة، إلى جانب سجالات إعلامية حادة على منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة تأكيد متانة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تواجه منطقة الخليج.
وأطلق مسؤولون بارزون في الرياض وأبوظبي رسائل متقاربة عبر منصة “إكس”، أكدوا فيها عمق الروابط الأخوية التي تجمع البلدين، داعين وسائل الإعلام إلى تعزيز أجواء التقارب والابتعاد عن الخطابات التي قد تؤثر في طبيعة العلاقة التاريخية بين الجانبين.
وتزامنت هذه الرسائل مع نشر رئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، تركي آل الشيخ، صورة جمعت وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ونائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، مرفقة بعبارة تؤكد رسوخ الشراكة بين البلدين، فيما عزز مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش هذا التوجه باستحضار بيت شعري يشيد بقوة التكاتف ووحدة الصف.
ورغم أجواء التهدئة الحالية، فإن العلاقات بين الرياض وأبوظبي مرت خلال الفترة الممتدة من أواخر عام 2025 وحتى اندلاع المواجهة مع إيران بمحطات خلاف بارزة، خرج بعضها إلى العلن بعد سنوات من إدارة التباينات بعيداً عن الأنظار.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الملفات الخلافية شملت تبايناً في الرؤى بشأن حصص إنتاج النفط داخل تحالف “أوبك+”، إلى جانب تنافس إقليمي في عدد من الساحات، قبل أن يتحول الملف اليمني إلى أبرز نقاط الاختلاف، خاصة في ظل دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، مقابل تمسك السعودية بترتيبات أمنية وسياسية مختلفة داخل اليمن.
وامتد هذا التباين إلى الساحة الإعلامية، حيث شهدت منصة “إكس” موجة من السجالات بين شخصيات وحسابات مؤثرة من الجانبين، بينما ركزت وسائل إعلام سعودية على انتقاد بعض السياسات الإماراتية في المنطقة، في حين جاء الرد عبر إعلاميين وحسابات إماراتية دافعت عن مواقف أبوظبي وانتقدت السياسات السعودية.
كما تصاعد الجدل بشأن تطورات الجنوب اليمني، مع تداول اتهامات تتعلق بإدارة بعض المناطق والمنشآت الأمنية، وهي مزاعم سبق أن نفتها الإمارات، في وقت حظيت فيه هذه الملفات باهتمام واسع داخل وسائل الإعلام السعودية.
وبلغت الأزمة ذروتها نهاية عام 2025 عندما انتقلت الخلافات من الإطار السياسي والإعلامي إلى تنافس مباشر حول النفوذ في جنوب وشرق اليمن، خاصة بعد تحركات المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة، وهي تحركات اعتبرتها الرياض تهديداً لترتيباتها الأمنية في المناطق القريبة من حدودها.
وفي أواخر ديسمبر من العام نفسه، أعلنت قيادة التحالف العربي تنفيذ ضربة جوية استهدفت شحنة أسلحة ومركبات عسكرية في ميناء المكلا بمحافظة حضرموت، مؤكدة أن الشحنة وصلت عبر سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي دون الحصول على الموافقات المطلوبة من قيادة التحالف.
وأعقب ذلك بيان صادر عن وزارة الخارجية السعودية شددت فيه على أن أي خطوات تمس أمن المملكة أو ترتيباتها في اليمن تعد مرفوضة، مؤكدة أن حماية الأمن الوطني تمثل أولوية لا يمكن التهاون بشأنها.
وشهدت تلك المرحلة أيضاً تراجعاً في حضور قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، بعدما أعلنت قيادة التحالف مغادرة رئيس المجلس عيدروس الزبيدي مدينة عدن متوجهاً إلى خارج اليمن، وهو تطور اعتبره متابعون مؤشراً على إعادة ترتيب المشهد في المحافظات الجنوبية وفق رؤية تقودها الرياض.
ومع اندلاع الحرب مع إيران، عادت قنوات التواصل الرسمية بين السعودية والإمارات إلى النشاط تدريجياً، مدفوعة بالحاجة إلى تنسيق المواقف لمواجهة المخاطر الأمنية التي تشهدها المنطقة، غير أن النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي استمرت لفترة قبل أن تسهم الرسائل الأخيرة في تهدئة الأجواء وإبراز صورة أكثر انسجاماً.
وربط عدد من المتابعين هذا التقارب بالمتغيرات الإقليمية، ولا سيما التهديدات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التصعيد الصادر عن جماعة الحوثي، معتبرين أن الظروف الراهنة دفعت البلدين إلى تعزيز التنسيق في مواجهة التحديات المشتركة.
وفي المقابل، تباينت ردود الفعل على منصات التواصل، إذ اعتبرت بعض الحسابات الإماراتية أن أبوظبي خرجت من الخلاف بموقف أقوى، بينما رأى مغردون سعوديون أن المملكة تظل صاحبة الثقل السياسي والعسكري الأكبر في المنطقة، وأن القرارات المرتبطة بالأمن الإقليمي تمر عبرها.
ولم تخلُ أجواء التقارب من الجدل، بعدما اختلف ناشطون حول مكان التقاط الصورة التي جمعت الشيخ منصور بن زايد والأمير خالد بن سلمان، حيث أكد البعض أنها التقطت في محافظة العلا السعودية، فيما رجحت حسابات إماراتية أنها التقطت على متن يخت في فرنسا، لتتحول الصورة نفسها إلى محور نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي.







