كشف مقال علمي نُشر عبر موقع “كونفرزيشن” أن مرض الانسداد الرئوي المزمن، المعروف اختصاراً بـ COPD، يُعدّ من أخطر الأمراض التنفسية في العالم، إذ تسبب في نحو 3.5 مليون حالة وفاة خلال عام 2021 فقط، ما يعكس حجم العبء الصحي المتزايد الذي يفرضه هذا المرض على أنظمة الرعاية الصحية عالمياً.
ويؤكد المقال، الذي أعدّته جينيفر لاودون موكسن، وهي باحثة في مرحلة الدكتوراه متخصصة في أمراض الجهاز التنفسي بجامعة غرب اسكتلندا، أن الصورة الشائعة حول هذا المرض بوصفه حكراً على كبار السن المدخنين تبقى تبسيطاً غير دقيق، لأن تطوره يحدث تدريجياً على مدى سنوات طويلة قبل أن تظهر أعراضه بشكل واضح.
ويُعرّف مرض الانسداد الرئوي المزمن بأنه حالة مزمنة تؤدي إلى تدهور تدريجي في وظائف الرئتين، بحيث يصبح دخول الهواء وخروجه أكثر صعوبة، نتيجة تلف دائم في الشعب الهوائية وتدمير الحويصلات الرئوية الدقيقة، وهي تغيّرات داخلية تتراكم ببطء دون أن يلاحظها المصاب في المراحل الأولى.
وتوضح المعطيات الطبية أن الأعراض الأكثر شيوعاً تشمل السعال المستمر وإفراز البلغم وضيق التنفس، وهي علامات غالباً ما تظهر في مراحل متقدمة من العمر، ما يفسر الاعتقاد الخاطئ بأن المرض مرتبط حصراً بالشيخوخة، في حين أن الضرر الفعلي يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة دون تشخيص.
وفي سياق أسباب المرض، يشير المقال إلى أن دخان السجائر يبقى العامل الأكثر تأثيراً، نظراً لاحتوائه على آلاف المركبات الكيميائية السامة والمسرطنة التي تؤدي إلى تهيّج أنسجة الرئة وتحفيز الالتهاب المزمن، وهو ما يخلق حلقة مستمرة من الضرر لا تتوقف بسهولة.
وتؤكد الباحثة أن الالتهاب في الحالة الطبيعية يُعد آلية دفاعية مؤقتة للجسم، لكنه في مرض الانسداد الرئوي المزمن يتحول إلى حالة دائمة بسبب التعرض المستمر للمهيجات، الأمر الذي يؤدي مع الوقت إلى تضيق المسالك الهوائية وزيادة إنتاج المخاط وتلف الحويصلات الدقيقة.
ومع تطور المرض، تصبح التغيرات التي تصيب الرئتين غير قابلة للعكس بشكل كامل حتى بعد التوقف عن التدخين، كما أن الاستجابة للأدوية التقليدية المضادة للالتهاب تبقى محدودة، وهو ما يجعل الوقاية المبكرة عاملاً حاسماً في الحد من تطور الحالة.
كما يلفت المقال إلى تصاعد المخاوف المرتبطة بالسجائر الإلكترونية، التي قد تحتوي على مواد كيميائية دقيقة ونيكوتين ومنكهات صناعية، يمكن أن تسهم في تهيّج الجهاز التنفسي، رغم أن آثارها طويلة المدى لا تزال غير محسومة علمياً بسبب حداثة استخدامها.
ويحذر التقرير من تزايد انتشار هذه المنتجات بين المراهقين، حيث تشير بيانات حديثة إلى أن نسبة معتبرة من الفئة العمرية بين 11 و17 عاماً تستخدم السجائر الإلكترونية، ما يفتح الباب أمام تعرض مبكر للرئتين لمواد غير معروفة التأثيرات المستقبلية.
ويخلص المقال إلى أن تشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن يتم غالباً بعد وصوله إلى مراحل متقدمة، لأن أعراضه المبكرة قد تُفسر بشكل خاطئ على أنها نتيجة طبيعية للتقدم في العمر أو ضعف اللياقة البدنية، في حين أن الدراسات تشير إلى استمرار ضعف الكشف المبكر عن المرض رغم وضوح الأعراض التنفسية لدى العديد من المصابين.
ويضيف أن العبء الاقتصادي العالمي للمرض يُقدّر بتريليونات الدولارات خلال العقود القادمة، ما يعكس حجم الكلفة الصحية والمالية المتزايدة، خاصة مع ارتفاع حالات الاستشفاء خلال فصول الشتاء نتيجة تفاقم العدوى التنفسية لدى المصابين.
ويؤكد المقال في خاتمته أن التركيز على الوقاية والتوعية المبكرة، خصوصاً في سن الدراسة والمراهقة، قد يشكل نقطة تحول في مواجهة هذا المرض، لأن التدخل المبكر قادر على تقليل الخسائر الصحية على المدى البعيد، في وقت لا يعود فيه الضرر الرئوي قابلاً للعلاج الكامل عند التشخيص المتأخر.







