يشير تقرير علمي نشرته واشنطن بوست بقلم الصحفية ميري كيم إلى أن مجموعة متنامية من الأبحاث ترجّح أن بعض حالات مرض باركنسون قد تنشأ في الجهاز الهضمي قبل أن تصل إلى الدماغ، في إطار فرضية علمية تُعرف بـ”الأمعاء أولًا”، تقوم على احتمال انتقال بروتينات غير طبيعية عبر مسار طويل قد يمتد لعقود.
وتقوم هذه الفرضية على بروتين يُعرف باسم ألفا-سينوكلين، حيث يتحول في بعض الحالات إلى شكل مشوه يؤدي إلى تراكمات سامة داخل الدماغ، وهو ما يرتبط باضطرابات الحركة المعروفة لدى المرضى مثل الرعاش وبطء الحركة وتصلب العضلات. وتشير الأبحاث إلى أن هذا البروتين قد يظهر أيضًا في الجهاز الهضمي، حيث رُصدت ترسباته لدى بعض المصابين قبل سنوات طويلة من التشخيص.
وتعزز تجارب مخبرية على الحيوانات هذه الفكرة، إذ أظهرت أن حقن البروتين المشوه في الأمعاء يمكن أن يؤدي لاحقًا إلى وصوله إلى الدماغ وإحداث أعراض عصبية وحركية مشابهة لتلك المرتبطة بالمرض، ما يدعم فرضية وجود مسار انتقال تدريجي بين الجهازين الهضمي والعصبي.
وتوضح الدراسات أن العوامل الوراثية لا تفسر سوى نسبة محدودة من حالات الإصابة، ما دفع الباحثين إلى توسيع دائرة البحث نحو نمط الحياة والغذاء باعتبارهما عناصر محتملة التأثير في تطور المرض، خصوصًا مع تسجيل أعراض هضمية مبكرة مثل الإمساك المزمن قبل سنوات من التشخيص.
وفي هذا السياق، تشير بيانات بحثية إلى ارتباط أنماط غذائية معينة بمخاطر الإصابة، حيث يرتبط استهلاك القهوة والشاي بانخفاض نسبي في احتمالات ظهور المرض، في حين لوحظت زيادة في المخاطر لدى بعض الفئات المرتبطة بتناول منتجات الألبان، مقابل تأثير وقائي محتمل للأطعمة الغنية بالألياف.
وتقول الباحثة سيلك كريسويل-أبيل من جامعة كولومبيا البريطانية إن الجمع بين النشاط البدني والنظام الغذائي الصحي قد يساعد في تقليل المخاطر أو تأخير ظهور المرض، مشيرة إلى أن التغييرات الغذائية البسيطة والمتدرجة أكثر واقعية واستدامة من التحولات الجذرية المفاجئة.
وتسلط الأبحاث الضوء أيضًا على دور أنظمة غذائية مثل حمية MIND والنظام الغذائي المتوسطي، حيث ترتبط هذه الأنماط بالاستهلاك المرتفع للخضراوات والفواكه والبقوليات وزيت الزيتون، مقابل تقليل السكريات والأطعمة المصنعة، وقد أظهرت بعض الدراسات ارتباطها بانخفاض احتمالات الإصابة أو تأخر ظهور الأعراض لسنوات إضافية.
وفي المقابل، تشير دراسات حديثة إلى أن الإفراط في تناول الأطعمة فائقة المعالجة، مثل الوجبات الجاهزة والمشروبات الغازية والمنتجات الصناعية، قد يرتبط بزيادة خطر ظهور الأعراض المبكرة للمرض، نتيجة نقص العناصر الغذائية الأساسية وتأثيرها السلبي المحتمل على صحة الدماغ.
ويخلص الباحثون إلى أن العلاقة بين الغذاء وصحة الدماغ لا تزال قيد الدراسة، لكنها تفتح بابًا مهمًا لفهم أعمق للعوامل البيئية التي قد تسهم في تطور مرض باركنسون، إلى جانب العوامل الوراثية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استراتيجيات وقائية تعتمد على نمط الحياة والتغذية.







