أظهرت وثائق مسربة أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وضعت تصورا لإنشاء منشأة عسكرية واسعة في جنوب قطاع غزة، ضمن مشروع لتأسيس قوة متعددة الجنسيات تحمل اسم قوة فرض الاستقرار، بإشراف هيئة يطلق عليها مجلس السلام، يشارك في قيادتها جاريد كوشنر.
وتشير المعطيات إلى أن القاعدة المقترحة ستقام على مساحة تقارب 350 فدانا، مع تصميم هندسي يتضمن مجمعا محصنا بطول يناهز 1400 متر وعرض 1100 متر، تحيط به أبراج مراقبة مدرعة ومواقع تدريب ومخازن وملاجئ وأنظمة حماية متعددة الطبقات، في منطقة صحراوية جنوب غزة شهدت دمارا واسعا خلال جولات القتال السابقة. ويأتي هذا المشروع في سياق خطة أمريكية لإعادة ترتيب المشهد الأمني في قطاع غزة بعد الحرب، ضمن تصور لإنشاء قوة دولية لحفظ الأمن وتأمين الحدود ودعم إعادة الإعمار.
الوثائق تتحدث كذلك عن تنفيذ المشروع على مراحل، مع تجهيز ملاجئ مزودة بأنظمة تهوية متطورة وبروتوكولات خاصة للتعامل مع أي رفات بشرية أو مواقع ذات حساسية ثقافية، في ظل تقديرات فلسطينية تشير إلى وجود آلاف الضحايا تحت الأنقاض. وتطرح هذه التفاصيل أسئلة جوهرية حول الأبعاد الإنسانية والقانونية لبناء منشأة عسكرية في منطقة ما تزال تعاني من آثار حرب مدمرة وأزمة إنسانية خانقة في قطاع غزة.
وبحسب ما تم تداوله، فإن مجلس السلام حصل على غطاء قانوني عبر تفويض من مجلس الأمن الدولي، غير أن طبيعة صلاحيات القوة المقترحة تبقى غير واضحة، خاصة في حال تجدد المواجهات بين إسرائيل وحركة حماس، أو في ما يتعلق بملف نزع السلاح الذي تضعه تل أبيب شرطا رئيسيا لأي عملية إعادة إعمار شاملة في غزة. ويعكس هذا الغموض تعقيدات المشهد الأمني والسياسي في القطاع، حيث تتداخل الاعتبارات الدولية والإقليمية مع مطالب محلية متباينة.
كما كشفت المعلومات أن شركات إنشاءات دولية متخصصة في العمل داخل مناطق النزاع زارت الموقع المقترح، في حين أبدت إندونيسيا استعدادها للمساهمة بآلاف الجنود ضمن القوة المزمع تشكيلها، وشارك رئيسها في لقاء تمهيدي بالعاصمة الأمريكية لبحث تفاصيل المبادرة، ما يشير إلى تحرك دبلوماسي يرافق الترتيبات الميدانية المقترحة.
في المقابل، أثار خبراء قانونيون شكوكا حول الأساس القانوني لمجلس السلام، معتبرين أن طبيعته التنظيمية وتمويله غير واضحين، وأنه لا يخضع بشكل مباشر لهيكل الأمم المتحدة رغم الحديث عن تفويض أممي. كما حذرت أصوات فلسطينية من أن إقامة قاعدة عسكرية على أرض غزة دون موافقة السلطة الفلسطينية قد يُنظر إليه كإجراء يكرس واقعا مفروضا بالقوة، ويطرح إشكالات تتعلق بالسيادة والقانون الدولي.
ورغم إحالة بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين الاستفسارات إلى مجلس السلام، امتنعت جهات مرتبطة بإدارة ترامب عن الخوض في تفاصيل الوثائق المتداولة، مكتفية بالتأكيد على عدم نية نشر قوات أمريكية على الأرض. وتأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه قطاع غزة أوضاعا إنسانية غير مسبوقة، مع نزوح واسع للسكان وتدهور البنية التحتية والخدمات الأساسية، ما يجعل أي تحرك عسكري أو أمني جديد محل تدقيق واسع داخليا ودوليا، في سياق إعادة ترتيب الوضع الأمني والسياسي في مرحلة ما بعد الحرب في غزة.







