image_pdfimage_print

 

تشهد الجامعة الجزائرية تحوّلاً جذرياً في دورها من مؤسسة للتكوين والبحث إلى فاعل اقتصادي وتنموي يسهم في إيجاد حلول تقنية للمشاكل الوطنية. هذا التحول الاستراتيجي برز بوضوح في تجربة جامعة محمد البشير الإبراهيمي ببرج بوعريريج التي أصبحت نموذجاً رائداً في التشبيك الاقتصادي وتطوير المؤسسات الناشئة الجامعية.

من التكوين إلى الابتكار فالمقاولاتية

يؤكد البروفيسور علي بوقارورة، مدير جامعة البشير الإبراهيمي، أنّ التحول في فلسفة الجامعة الجزائرية جاء استجابة لتوجيهات الدولة الرامية إلى جعل التعليم العالي رافعة للتنمية الوطنية. فبعد أن انحصرت مهمة الجامعة لعقود في التكوين والبحث، أصبحت اليوم منفتحة على عالم الابتكار والمقاولاتية.

ويشرح البروفيسور أن هذا التوجه الجديد جاء لمعالجة إشكالية البطالة في صفوف المتخرجين، إذ تخرّج الجامعات مئات الآلاف من الطلبة سنوياً، بينما لا تستوعب الوظيفة العمومية والمؤسسات الاقتصادية هذا العدد الضخم. لذلك، تم غرس فكرة يادة الأعمال الجامعية وتشجيع الطلبة على إنشاء مشاريعهم الخاصة عبر نظام المؤسسات الناشئة.

مؤسسات ناشئة تخلق الثروة وتوفر مناصب الشغل

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، تمكّن المئات من الطلبة من إنشاء مؤسسات ناشئة ناجحة على المستوى الوطني. وتُعد جامعة برج بوعريريج من الجامعات السباقة في هذا المجال، إذ احتضنت عشرات المشاريع المبتكرة التي تحولت إلى مؤسسات اقتصادية فعلية.
وقد فاز ستة مشاريع طلابية بجوائز وطنية، من بينها مشروع طائرة مسيّرة “درون” متطورة صممها طلبة الجامعة، أثارت اهتمام وزير التعليم العالي الذي وجّه بدمجها مباشرة في المركز الوطني للبحث العلمي.

التشبيك الاقتصادي… جسور بين الجامعة وسوق العمل

يشدد مدير الجامعة على أن النجاح الحقيقي لأي مشروع ابتكاري لا يكتمل إلا بالتشبيك مع المؤسسات الاقتصادية. لذلك، وقّعت الجامعة اتفاقيات تعاون مع  غرفة التجارة والصناعة لولاية برج بوعريريج وعدة مؤسسات خاصة، بهدف مرافقة الطلبة في تحويل أفكارهم إلى منتجات اقتصادية قابلة للتسويق.
ويضيف بوقارورة: “التسويق مرحلة حاسمة لا تقل أهمية عن الابتكار، ولذلك نعمل على استقطاب رؤوس الأموال الوطنية النزيهة لتمويل المشاريع الواعدة في علاقة رابح – رابح بين الجامعة والقطاع الاقتصادي”.

الذكاء الاصطناعي… تخصص المستقبل

من جهة أخرى، أصبحت الرقمنة والذكاء الاصطناعي محوراً أساسياً في تكوين الطلبة. فقد استحدثت جامعة برج بوعريريج تخصصات في الذكاء الاصطناعي على مستويي الماستر والهندسة، كما أدخلت مادة الذكاء الاصطناعي كمقياس إجباري في معظم التخصصات، تطبيقاً لتوجه الدولة نحو اقتصاد المعرفة.

ويقول مدير الجامعة إن “الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية علمية، بل أداة استراتيجية لبناء اقتصاد رقمي متكامل”.

مؤسسات فرعية داخل الجامعة… نحو الاستثمار في التعليم العالي

في سياق دعم الاقتصاد المعرفي، أنشأت الجامعة ثلاث مؤسسات فرعية حصلت حديثاً على سجلها التجاري، لتتحول إلى فاعل اقتصادي رسمي يقدّم خدمات ومنتجات مستمدة من البحث العلمي الجامعي.
ويرى البروفيسور بوقارورة أن هذا التوجه يمثل “قفزة نوعية” في الاستثمار الأكاديمي، حيث أصبح بإمكان الجامعات الاستفادة من عائدات مؤسساتها الفرعية لتعزيز ميزانياتها ودعم مشاريع البحث والابتكار.

البحث العلمي… من المخابر إلى السوق

تضم جامعة البشير الإبراهيمي مئات الأساتذة وقرابة 800 أستاذ دائم، إلى جانب عشرات المخابر العلمية المجهزة بتقنيات متقدمة. ويجري العمل حالياً على تفعيل هذه المخابر كمراكز إنتاج فعلية للأفكار والمنتجات التقنية، بدل أن تبقى مجرد فضاءات للبحث النظري.

ويؤكد بوقارورة أن “الجامعة الجزائرية لم تعد مجرد منتج للمعرفة، بل أصبحت مساهماً مباشراً في خلق الثروة المادية والمعنوية”.

الطموح نحو الريادة والتصنيف الدولي

رغم حداثة الجامعة مقارنة ببعض الجامعات العريقة، إلا أنها حققت تقدماً ملحوظاً في التصنيفات الوطنية والدولية. ويعرب مدير الجامعة عن طموحه في تحسين موقعها عالمياً من خلال تطوير جودة التعليم والبحث، وتعزيز حضورها الرقمي والابتكاري.

نحو اقتصاد المعرفة والابتكار الوطني

تجربة جامعة محمد البشير الإبراهيمي ببرج بوعريريج تقدم نموذجاً عملياً للجامعة الجديدة التي تندمج في محيطها الاقتصادي والاجتماعي وتواكب التحولات التكنولوجية العالمية.
فالجامعة اليوم لم تعد مؤسسة للتدريس فقط، بل قاطرة وطنية للتنمية وفضاء لتوليد الحلول والفرص في مختلف القطاعات.

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *