تعيش العلاقات الجزائرية-الفرنسية حالة من التوتر المتزايد، يعكسها بوضوح التناقض بين تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وسلوك وزير داخليته جيرالد دارمانان.
فمنذ أيام، حاول ماكرون من البرتغال إرسال إشارات تهدئة إلى الجزائر، سعيًا منه إلى تخفيف حدة الأزمة التي بلغت مستوى غير مسبوق.
غير أن هذا الخطاب لم يصمد طويلًا، إذ سرعان ما جاءت الأفعال على عكس النوايا المعلنة، عندما أقدم وزير
داخليته على اتخاذ قرار مستفز، زاد من تعقيد الوضع بين البلدين.
في خطوة غير مفهومة، أصدر وزير الداخلية الفرنسي تعليمات إلى شرطة الحدود **بطرد زوجة سفير الجزائر في مالي** ومنعها من دخول الأراضي الفرنسية بحجة أنها لا تمتلك المال الكافي، رغم أنها قدمت **كل الوثائق القانونية المطلوبة**، بما في ذلك شهادة الإيواء، ووثيقة التأمين، وبطاقة ائتمان زوجها الدبلوماسي. هذا التصرف لا يمكن تفسيره إلا باعتباره **استفزازًا متعمدًا**، وتحديًا مباشرًا لكل الجهود الدبلوماسية التي كان الرئيس الفرنسي يحاول رسمها في علاقاته مع الجزائر. فكيف يمكن للرئيس أن يدعو إلى التهدئة بينما يتبنى أحد أبرز وزرائه سياسة تصعيدية؟
هذا الوضع يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول ما إذا كان الأمر يعكس **صراعًا داخليًا داخل السلطة الفرنسية**، حيث يبدو أن دارمانان يتصرف وفق أجندة خاصة، مستخدمًا الجزائر كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية داخلية.
أو ربما يكون المشهد برمته عبارة عن **لعبة توزيع أدوار**، حيث تتكفل الرئاسة الفرنسية بإطلاق التصريحات الإيجابية، بينما يمضي وزير الداخلية في اتخاذ خطوات عدائية تبعث برسائل مختلفة تمامًا، ما يجعل الموقف الفرنسي تجاه الجزائر متناقضًا ومتذبذبًا.
بالتأكيد، ما قام به وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان يُعتبر **إحراجًا مباشرًا** للرئيس إيمانويل ماكرون، بل ويمكن اعتباره **تحديًا لسلطته** في رسم السياسة الخارجية لفرنسا.
فحين يُصدر الرئيس تصريحات تهدئة تجاه الجزائر، ثم يقوم أحد أبرز وزرائه بخطوة استفزازية بعد ساعات فقط، فهذا يعكس **عدم الانسجام داخل السلطة الفرنسية**، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة ماكرون على فرض رؤيته على أعضاء حكومته.
إذا كان هذا التصرف مقصودًا من دارمانان، فإنه يضع الرئيس في موقف ضعيف، إذ يبدو وكأنه **لا يسيطر تمامًا على حكومته**، أو أن هناك جهات داخل النظام الفرنسي تسعى إلى فرض خط سياسي معين بعيدًا عن توجهات قصر الإليزيه.
أما إذا كان ذلك ناتجًا عن **توزيع أدوار متعمد**، فهذا يعني أن ماكرون يستخدم سياسة الازدواجية في التعامل مع الجزائر، وهو أمر لن يمر دون رد من الطرف الجزائري، الذي أصبح يدرك جيدًا هذه الأساليب.
ما بات واضحًا هو أن الجزائر **لن تقف مكتوفة الأيدي** أمام هذه السياسات المتضاربة.
فلطالما عانت من الخطاب المزدوج في التعامل معها، لكنها اليوم أمام تحدٍّ جديد يفرض عليها إعادة تقييم شكل العلاقة مع فرنسا في ظل هذه الممارسات.
إن عدم اتساق الخطاب الرسمي الفرنسي يضع باريس في مأزق دبلوماسي، فإما أن تتبنى موقفًا واضحًا ومسؤولًا، أو تستمر في هذه السياسة الفوضوية التي لن تؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين البلدين.







