image_pdfimage_print

 

انتقلت إلى رحمة الله، يوم الاثنين 8 يونيو 2026، شخصية علمية بارزة في مجال الدراسات القرآنية، وهو الشيخ الدكتور أحمد بن أحمد بن معمر شرشال، الذي ارتبط اسمه لعقود طويلة بالبحث المتخصص في علوم القرآن الكريم، ولا سيما في مجال رسم المصحف وضبطه، حيث يُعد من الأسماء المرجعية في هذا الحقل داخل الجزائر وخارجها.

ويمثل رحيل الشيخ شرشال فقداناً لواحد من أبرز الوجوه الأكاديمية التي جمعت بين التكوين الشرعي التقليدي والدراسة الجامعية الحديثة، إذ انخرط منذ وقت مبكر في مسار علمي قائم على خدمة النص القرآني من زاوية بحثية دقيقة، ساهمت في تطوير الدراسات المتخصصة وربطها بالمناهج العلمية المعاصرة.

بدأت ملامح مسيرته العلمية مع حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، قبل أن يتحصل على الإجازة سنة 1968، لتتجه اهتماماته لاحقاً نحو علوم القرآن والقراءات، ثم التخصص في أحد أكثر المجالات دقة وتعقيداً، وهو علم رسم المصحف العثماني، الذي يهتم بدراسة الخصائص الكتابية التي استقر عليها تدوين القرآن في مراحله الأولى.

ويُعد هذا العلم من التخصصات الدقيقة التي تعالج الجوانب التاريخية واللغوية لكتابة المصحف، من خلال تتبع قواعد الرسم والضبط التي ميزت المصاحف الأولى في العهد العثماني، وهو ما جعل هذا المجال محط اهتمام محدود لكنه شديد الأهمية في الدراسات القرآنية.

وقد أسهم الراحل في إثراء هذا الحقل من خلال أبحاث وتحقيقات علمية، من أبرزها تحقيقه لكتاب “مختصر التبيين لهجاء التنزيل” لأبي داود سليمان بن نجاح الأندلسي، إضافة إلى أعمال أخرى تناولت قضايا الوقف والرسم والضبط، ما جعله أحد المراجع المعتمدة في هذا التخصص داخل الأوساط الأكاديمية.

كما شارك الشيخ شرشال في مشاريع علمية ومؤسسات أكاديمية مختلفة، من بينها إعداد مقررات جامعية في علوم القرآن والقراءات، والمساهمة في لجان مراجعة المصاحف وتحكيم المسابقات القرآنية، إلى جانب عضويته في هيئات علمية دولية متخصصة.

وقد عُرف بمنهج علمي دقيق في التعامل مع النصوص والمخطوطات، يقوم على التمحيص والمقارنة والرجوع إلى المصادر الأصلية، مع اعتماد أسلوب نقدي متوازن في دراسة الآراء والترجيح بينها، وهو ما أكسب أعماله قيمة علمية معتبرة لدى الباحثين وطلبة الدراسات العليا.

ويمثل رحيله خسارة للمجال القرآني المتخصص في العالم الإسلامي، خاصة في ظل ندرة الباحثين الذين يشتغلون على تفاصيل الرسم العثماني والمخطوط القرآني وفق مقاربات علمية دقيقة، تجمع بين المعرفة التراثية وأدوات البحث الحديث.

ورغم غيابه، فإن الإسهامات العلمية التي تركها ستظل حاضرة في الجامعات والمراكز البحثية، حيث تشكل مرجعاً مهماً للدارسين، وتواصل تأثيرها في مسار الدراسات القرآنية المتخصصة، بما يعكس إرثاً علمياً ممتداً يتجاوز حدود الزمن.

Leave your comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *