تبون يرسم ملامح مرحلة جديدة بين الإصلاح الداخلي والدور الإقليمي
قدّم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال حوار إعلامي من مقر رئاسة الجمهورية قراءة شاملة لمسار الدولة في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، في خطاب جمع بين تقييم المنجزات وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.
سياسياً، شدد الرئيس على أن الجزائر دخلت مرحلة جديدة في إدارة العملية الانتخابية، بعد استحداث هيئة مستقلة لتسيير الانتخابات، وهو ما اعتبره خطوة حاسمة في تكريس الشفافية وإبعاد الإدارة عن التأثير المباشر على الاستحقاقات. وأكد أن هذا التحول ساهم في تقليص الجدل حول النزاهة الانتخابية، مع تعزيز دور القضاء في الرقابة والمتابعة.
وفي الشأن المؤسساتي، أبرز تبون أن النضج السياسي الذي بلغته البلاد ينعكس في تناغم عمل مختلف الهيئات الدستورية، مشيراً إلى أن التفاعل بين البرلمان والحكومة والمؤسسات الرقابية يعكس استقراراً في التوازنات السياسية وتراجعاً للتجاذبات التي كانت تطبع المراحل السابقة.
اقتصادياً، وضع الرئيس ملف التحول الهيكلي في صدارة الأولويات، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تقوم على تقليص التبعية للمحروقات عبر تنويع مصادر الدخل الوطني. واعتبر أن قطاع المناجم والصناعات التحويلية، خصوصاً مشاريع الفوسفات، يشكل محوراً أساسياً في استراتيجية رفع القيمة المضافة وتعزيز الصادرات خارج قطاع الطاقة.
وفي هذا السياق، أوضح أن إعادة تنظيم القطاعات الاقتصادية، ومنها إنشاء وزارة مستقلة للمناجم، يهدف إلى رفع فعالية التسيير وتخصيص الخبرات حسب طبيعة كل قطاع، بما يسمح بتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى وتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
اجتماعياً، أقر الرئيس بوجود تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية وضبط السوق، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على محاربة المضاربة وتنظيم النشاط التجاري. كما أكد أن الانتقال نحو الدفع الإلكتروني أصبح خياراً لا رجعة فيه، رغم أن تطبيقه يتم بشكل تدريجي لتفادي أي اضطرابات اقتصادية.
وفي ما يتعلق بالمرأة، أبرز تبون أن حضورها في المجتمع الجزائري لم يعد رمزياً، بل أصبح فعلياً في التعليم العالي وسوق العمل، معتبراً أن وصولها إلى مواقع القرار السياسي يظل مسألة كفاءة قبل أن يكون مسألة تمثيل، مع الانفتاح على إمكانية توليها مناصب عليا في المستقبل.
دبلوماسياً، جدد رئيس الجمهورية تمسك الجزائر بدورها القائم على عدم التدخل في شؤون الدول واحترام السيادة الوطنية، مع التأكيد على دعم الحلول السياسية للأزمات الإقليمية. وفي هذا الإطار، توقف عند الوضع في مالي، معتبراً أن العودة إلى مسار الحوار تبقى الخيار الأكثر واقعية، مع الإشارة إلى أهمية إعادة تفعيل مسار الجزائر كمرجعية للحلول التوافقية.
كما أكد أن الجزائر تواصل دعمها الثابت للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين ومرجعيات 1967، معتبراً أن هذا الموقف يندرج ضمن ثوابت السياسة الخارجية للدولة.
وفي تقييمه العام، قدّم تبون صورة تفاؤلية عن الوضع الداخلي، معتبراً أن الجزائر قطعت شوطاً مهماً في تعزيز الاستقرار وتوسيع قاعدة التنمية، وأن الأولوية اليوم هي حماية هذا الاستقرار وتثبيت مسار الإصلاحات، مع فتح المجال أمام استثمارات كبرى تعزز مكانة البلاد اقتصادياً وإقليمياً.
ويعكس هذا الخطاب ملامح مرحلة انتقالية تسعى فيها الجزائر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين الداخل والخارج، في سياق إقليمي ودولي متغير، حيث تبرز الحاجة إلى توازن دقيق بين الإصلاحات الداخلية وتثبيت الدور الدبلوماسي للدولة في محيطها الجغرافي.