ملتقى الحلة” ينعش التراث الصحراوي
تعود “الحِلّة” في عمق الصحراء الجزائرية إلى الواجهة من بوابة ثقافية جديدة، من خلال تنظيم “ملتقى الحلة” بولاية برج باجي مختار، في مبادرة تسعى إلى إعادة إحياء هذا الفضاء التقليدي الذي شكّل عبر التاريخ مركزاً اجتماعياً وثقافياً متكاملاً يجمع مختلف فئات المجتمع الصحراوي.
وتُعرف “الحِلّة” في بعدها الاجتماعي كتنظيم متكامل يتجاوز فكرة تجمع الخيام، إذ تضم خيمة الشيخ ومجالس التعليم ومرافق الحياة اليومية، وتحتضن العلماء والحرفيين والفنانين والرعاة، ضمن منظومة يقودها شيخ يتمتع بالحكمة والخبرة، ما يجعلها نواة مجتمع متماسك قائم على التضامن والتكافل.
وتحظى الحِلّة بمكانة بارزة لدى سكان الصحراء، حيث شكلت عبر الزمن نقطة التقاء للزوار وفضاءً لحل النزاعات وإدارة الشؤون الاجتماعية، كما احتضنت المناسبات الدينية والاحتفالات الكبرى، لتتحول إلى مركز إشعاع روحي وثقافي ظل راسخاً في الذاكرة الجماعية للمنطقة.
وفي الجانب التعليمي، لعبت الحِلّة دوراً محورياً في نشر المعرفة رغم بساطة الإمكانيات، حيث وفرت فضاءً مفتوحاً للتعلم وتبادل الخبرات بين الأجيال، وأسهمت في صقل الوعي الثقافي من خلال التفاعل بين مختلف المشارب الفكرية، كما كانت حاضنة للإبداع الأدبي والفني بما حفظته من أشعار وأهازيج وحكم شعبية متوارثة.
ويأتي تنظيم “ملتقى الحلة” اليوم في إطار رؤية تهدف إلى ربط الشباب بجذورهم الثقافية وتعزيز روح الانتماء لديهم، من خلال أنشطة تجمع بين الفن والمعرفة والتراث، في سياق يبرز أهمية استعادة هذا الموروث وإدماجه في الحركية الثقافية المعاصرة.
وتجسد هذه المبادرة توجهاً متزايداً نحو حماية التراث غير المادي وإعادة الاعتبار له، باعتباره ركيزة أساسية في بناء الهوية الوطنية، خاصة في المناطق الحدودية التي تواجه تحديات تنموية، ما يجعل من إحياء مثل هذه الفضاءات خطوة استراتيجية للحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز حضورها في الحاضر والمستقبل.