سوناطراك تراهن على التكنولوجيا والموارد البشرية لتعزيز موقعها الطاقوي
أكدت قيادة مجمع سوناطراك أن التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا تفرض تبني مقاربات جديدة قائمة على الرقمنة والابتكار، مع التركيز على الاستثمار المستدام في الكفاءات البشرية، بما يضمن استمرارية الأداء وتعزيز تنافسية الغاز الجزائري في الأسواق الدولية، في ظل بيئة طاقوية تتسم بتعقيد متزايد وتحولات عميقة تمس أنماط الإنتاج والاستهلاك على حد سواء.
وخلال افتتاح أشغال الملتقى الثامن للجمعية الجزائرية لصناعة الغاز بوهران، أوضح نور الدين داودي أن مستقبل الصناعة الغازية لم يعد مرتبطًا فقط بحجم الاحتياطات، بل بمدى القدرة على التحكم في التكنولوجيات الحديثة وتوظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين مردودية المنشآت وضمان استدامتها، وهي مقاربة استراتيجية شاملة تعكس التحول العميق نحو صناعة طاقوية ذكية وأكثر مرونة واستجابة لمتطلبات المرحلة.
وأشار إلى أن الاستثمار في العنصر البشري يظل الركيزة الأساسية لأي تحول صناعي ناجح، حيث تمثل الكفاءات المؤهلة القادرة على الابتكار والتكيف مع التطورات التكنولوجية القوة الحقيقية التي تقوم عليها استدامة القطاع، خاصة في سياق عالمي يتطلب مهارات عالية وقدرة على التفاعل مع التغيرات السريعة في أسواق الطاقة.
وفي سياق متصل، برز الغاز الطبيعي كعنصر محوري في معادلة الأمن الطاقوي العالمي، إذ يتيح تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحاجة إلى تقليص الانبعاثات، ما يجعله خيارًا استراتيجيًا في مرحلة الانتقال نحو الطاقات النظيفة، ضمن رؤية شاملة تقوم على تنويع المزيج الطاقوي وتعزيز استقرار الإمدادات في الأسواق الدولية.
كما تواصل سوناطراك تعزيز حضورها كممون موثوق للطاقة من خلال تحديث بنيتها التحتية وتوسيع شراكاتها الدولية، في إطار استراتيجية تهدف إلى رفع القدرات الإنتاجية وتحقيق اندماج أكبر مع التحولات العالمية، بما يضمن استجابة فعالة للطلب المتزايد على الطاقة في ظل تقلبات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة.
وتتجه الأنظار أيضًا نحو الهيدروجين منخفض الكربون باعتباره أحد أهم البدائل المستقبلية، حيث يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتعاون الدولي، ويمكّن الدول المنتجة للغاز من تطوير سلاسل قيمة مبتكرة تعزز موقعها في الأسواق الطاقوية الناشئة، في إطار تحولات عميقة تعيد رسم خريطة الطاقة العالمية وفق معايير الاستدامة والتكنولوجيا النظيفة.
من جهة أخرى، أبرز خبراء خلال الملتقى أن الجزائر تمتلك مؤهلات قوية لمواجهة التحديات الراهنة، من بينها احتياطات معتبرة وتكاليف إنتاج تنافسية وخبرة طويلة في تسويق الغاز، إضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي قريب من الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة في ظل بيئة دولية غير مستقرة تتسم بتقلبات اقتصادية وتوترات جيوسياسية متزايدة.
وفي هذا الإطار، دعا مختصون إلى تبني استراتيجيات مرنة تقوم على تنويع السيناريوهات والاعتماد على خطط بديلة قادرة على امتصاص الصدمات، مع ضرورة تحقيق تكامل فعلي بين الغاز الطبيعي والطاقات الجديدة، بما في ذلك الهيدروجين، لبناء نموذج طاقوي هجين يوازن بين متطلبات الأمن الطاقوي وأهداف الاستدامة.
كما شدد متدخلون دوليون على أن الجزائر حافظت لعقود على مكانتها كفاعل رئيسي في سوق الغاز، مستفيدة من رؤية استراتيجية قائمة على الشراكات طويلة المدى، مؤكدين أن الغاز سيظل عنصرًا أساسيًا في دعم النمو الاقتصادي العالمي، رغم التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع بفعل الرقمنة والتوجه نحو تقليل البصمة الكربونية.
وفي السياق الإفريقي، تم التأكيد على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات الطاقوية، من خلال تطوير الإنتاج وضمان استقرار الإمدادات وخلق قيمة مضافة مستدامة، بما يدعم مسار التصنيع ويعزز السيادة الطاقوية للقارة، في ظل طلب متزايد على الطاقة وتحديات متنامية مرتبطة بالانتقال الطاقوي.
واختتمت أشغال الملتقى الذي احتضنه مركز المؤتمرات بوهران بمشاركة واسعة لخبراء ومهنيين، بطرح جملة من التوصيات الرامية إلى تطوير صناعة الغاز وتعزيز دورها في تحقيق توازن طاقوي مستدام، مع التركيز على الابتكار والتكنولوجيا وتطوير الموارد البشرية كعناصر حاسمة في رسم ملامح مستقبل القطاع.