غزة.. المشهد ذاته ودمٌ يتجدد

لا يبدو أن غزة خرجت من دائرة النار، فالمشهد العام يعيد نفسه منذ أكثر من عامين: حصار خانق يتجدد بأشكال مختلفة، واعتداءات تتوسع رقعتها، وواقع إنساني ينهار على مرأى العالم، بينما تتبدل فقط لغة الأرقام، وتتنقل الجغرافيا من منطقة إلى أخرى، وتتفاوت حدّة التصعيد دون أن يتغير جوهر المأساة.

على الأرض، ما زالت أبواب القطاع موصدة أمام ما يكفي من المساعدات، خصوصا الطبية منها، وهو ما يضاعف أعداد الضحايا بين المرضى والجرحى، ويحوّل الإصابات القابلة للعلاج إلى أحكام موت بطيء. وفي الوقت نفسه، تتواصل عمليات القصف والاستهداف اليومي بمختلف الوسائل، من المسيّرات إلى قذائف الدبابات، وصولا إلى الغارات الجوية التي توسعت في الأيام الأخيرة، مخلفة عشرات الشهداء والجرحى، وسط روايات متضاربة حول طبيعة الأهداف.

وإذا كان القصف يفتك بالأحياء، فإن الطبيعة القاسية تشارك بدورها في استكمال الصورة السوداء. أمطار غزيرة، رياح عاتية وبرد قارس يلاحق آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم تحت خيام مهترئة لا تقوى على حماية الأطفال ولا كبار السن. أغطية مبللة بالمياه، نقص في وسائل التدفئة، انتشار للأوبئة، وبيئة صحية متهالكة، كلها عوامل تضيف إلى الحرب وجها آخر أقل ضجيجا وأكثر فتكًا.

في المقابل، لا يزال الصوت الدولي ضعيفا ومترددا، يكتفي بمطالبات خجولة لوقف الانتهاكات، دون إجراءات توازي حجم الجرائم المتكررة. أما المشهد العربي والإسلامي، فيبدو أسير الصمت والتخاذل، وهو ما جعل الكارثة تتراكم بلا سقف سياسي أو إنساني قادر على إيقافها.

وسط هذا الركام، تتكرر العناوين ذاتها: التهجير القسري، الضغط لنزع سلاح المقاومة، ومحاولات فرض الاستسلام السياسي تحت ذرائع أمنية تتبدل صياغتها من حين لآخر. ويبرز هنا سؤال جوهري: هل ما يجري اليوم مجرد استمرار لحرب مفتوحة بوتيرة أقل، أم أنه تنفيذ غير معلن لتفاهمات تُبقي خطط التسوية حبرا على ورق، وتحوّل الأجسام السياسية المقترحة إلى كيانات بلا حياة؟

اللافت أن استمرار الاعتداءات، رغم الحديث عن ترتيبات سياسية وضمانات دولية، يكشف في العمق عن مأزق مزدوج: فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه المعلنة حتى الآن، وإصراره في الوقت ذاته على فرض الوقائع بالقوة، في تحدٍ مباشر للمجتمع الدولي وللمنظمات الإنسانية التي لا تتوقف عن إطلاق نداءات الاستغاثة.

وفي مواجهة ذلك، يتمسك الفلسطينيون بأرضهم رغم الجوع والبرد والقتل، رافضين خيار التهجير كحل مفروض. كما أن المقاومة، رغم الاستهدافات المتواصلة وعمليات الاغتيال والضغط العسكري، ما تزال متمسكة بسلاحها، وتؤكد أنها لم تفقد زمام المبادرة، حتى وإن أعلنت أكثر من مرة استعدادها لتسليم إدارة القطاع لجهة وطنية فلسطينية جامعة.

وبينما يروّج الاحتلال لتبريرات جديدة لاستمرار عملياته، مثل الحديث عن “تهديدات أمنية” أو “نشاط لمقاتلين خرجوا من الأنفاق”، فإن ذلك إن صحّ فهو يعني أن فكرة الاستسلام لم تتحقق، وأن القدرة على المناورة والمواجهة ما تزال قائمة، رغم اختلال ميزان القوة وقسوة الظروف الميدانية.

هذا الواقع يضع المقاومة أمام خيارات معقدة: إما الاستمرار في الالتزام بوقف إطلاق النار من طرف واحد رغم الخروقات المتصاعدة، أو الرد بما قد يعيد الحرب إلى ذروتها. وفي الحالتين، يبدو أن الاحتلال يسعى إلى جرّ المنطقة نحو انفجار جديد يخدم أجندة اليمين المتطرف، ويمنح نتنياهو مبررًا لإطالة أمد الحرب.

أما الوساطات، فقد بدت عاجزة عن إحداث اختراق حقيقي أمام تعنت حكومة الاحتلال، ما يجعل الضغط السياسي المباشر على صناع القرار في واشنطن، وفق هذا الطرح، أحد الخيارات القليلة المتبقية لإجبار الاحتلال على وقف الغارات والالتزام بالانتقال إلى المرحلة التالية من أي تسوية مطروحة، بما يشمل الانسحاب وفق الخطوط المتفق عليها، فتح المعابر، إدخال المساعدات بالكميات الكافية، وتمكين لجنة فلسطينية وطنية من تولي إدارة القطاع.

وفي هذا السياق، تتجدد الاتهامات بأن الاحتلال يحاول ربط المسار الإنساني والسياسي بملفات أمنية مثل نزع سلاح المقاومة، أو قضايا الأسرى، بما يسمح له بتجميد أي انتقال فعلي نحو التهدئة الشاملة وإعادة الإعمار.

غير أن استمرار هذه الحرب المفتوحة لا يعني فقط استمرار نزيف غزة، بل يحمل رسائل إقليمية أخطر، مفادها أن أي خطة دولية، مهما كانت مسمياتها وضماناتها، ستظل بلا قيمة إن لم تقترن بإرادة تنفيذية تردع الاحتلال. كما أن التصعيد المتواصل يضع المنطقة بأسرها على حافة انفجار واسع، في وقت لا تزال فيه غزة تنزف، وتنتظر مرحلة ثانية لا تأتي، بينما يراكم الاحتلال فوق الركام ركامًا جديدًا.

جملة مفتاحية طويلة
استمرار الحصار والاعتداءات اليومية على قطاع غزة وتفاقم الكارثة الإنسانية تحت الخيام وفي المستشفيات المنهارة يفضح عجز المجتمع الدولي ويعيد طرح سؤال جدوى أي خطط سياسية أو قوى دولية ضامنة ما لم تُجبر حكومة الاحتلال على وقف الغارات وفتح المعابر والانتقال إلى مسار إنساني حقيقي ينهي التهجير القسري ويوقف حرب الإبادة.