غزة تحبنا ونحبها

 

كثيرًا ما يتعامل الإنسان مع الأماكن بمنطق الشعور قبل العقل؛ فيكره موضع الهزيمة، ويتجنب المكان الذي ارتبط في ذاكرته بوجع شخصي أو جماعي. هكذا هي النفس البشرية حين تُترك لطبائعها، فالأمم تنفر من ساحات انكسارها، وتشيح بوجهها عن مواقع الهزائم والنكبات، وكأن تغيير الاسم أو الابتعاد عن المكان يخفف من ثقل الذاكرة.

ولو سارت المشاعر وحدها بلا ميزان، لكان جبل أُحد أولى بذلك النفور؛ ففيه تلقى المسلمون أول هزيمة عسكرية، وسقط سبعون شهيدًا من خيرة الصحابة، يتقدمهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وشهدت أرضه مشاهد قاسية لم يألفها المسلمون من قبل، من التمثيل بالجثث وإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم جسدًا ونفسًا. كل ذلك كافٍ – بمنطق البشر – لصناعة قطيعة وجدانية مع المكان والاسم والذكرى.

غير أن النبي صلى الله عليه وسلم قلب هذا المنطق رأسًا على عقب، حين قال في لحظة صفاء وعمق: هذا أُحد، جبل يحبنا ونحبه. عبارة قصيرة، لكنها كسرت علاقة التشاؤم، وأعادت بناء الصلة بين الإنسان والمكان على أساس مختلف تمامًا.

لم يمر هذا القول مرورًا عابرًا في تراثنا، بل توقف عنده العلماء قديمًا وحديثًا، كلٌّ من زاويته. فمنهم من رأى أن المقصود حب أهل الجبل، وهم الأنصار، ومنهم من جمع بين المعنيين؛ حب المكان وحب ساكنيه، ومنهم من فتح الباب لفهم أوسع يرى الكون كله متفاعلًا مع الإنسان، يسبح ويحب ويأنس، كما يسبح الإنسان ويحب ويأنس.

ذهب بعض العلماء إلى أن الخطاب للجبل خطاب حقيقي، وأن له إدراكًا يليق به، كما خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: اسكن أحد. ورأى آخرون أن المعنى مجازي، لكن المجاز هنا لا ينقص من عمق الرسالة شيئًا، بل يزيدها إشراقًا؛ إذ يجعل المكان شريكًا وجدانيًا في المسيرة، لا شاهد شؤم عليها.

أما المعاصرون، فقد التقطوا من الحديث أبعادًا جديدة، تتجاوز واقعة أُحد إلى فلسفة الإسلام في التعامل مع البيئة والكون. فالعلاقة في التصور الإسلامي ليست علاقة صدام أو استغلال، بل علاقة مودة وتوازن، حيث يرى الإنسان ما حوله شركاء في عبادة الله، لا مجرد أدوات صامتة. ومن هنا يصبح الحب موقفًا حضاريًا، لا عاطفة عابرة.

ورغم مرارة الذكرى، لم يتحول أُحد في وجدان النبي صلى الله عليه وسلم إلى رمز للألم، بل بقي موضع حب وبشرى، يُستبشر برؤيته عند الاقتراب من المدينة. هكذا تُهزم الهزيمة نفسها، حين تُسحب منها قدرتها على تسميم الذاكرة.

ومن هذا الفهم، يمكن قراءة ما يحدث اليوم في غزة. فهي ليست مجرد عنوان للمجازر، ولا اختزالًا للمأساة، بل أرض تزداد محبة في القلوب كلما اشتد الألم. كما أحب النبي صلى الله عليه وسلم أُحدًا رغم ما حمله من جراح، تبقى غزة حاضرة في وجدان أهلها والأحرار، لا كرمز انكسار، بل كمعنى للصمود والحياة.

إنها دعوة لإعادة تشكيل علاقتنا بالأحداث والأماكن، كما علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم: ألا نسمح للألم أن يصادر الحب، ولا للهزيمة أن تعيد تعريف الذاكرة. غزة تحبنا ونحبها، كما أحب أُحد من قبل، وكما بقي الحب أقوى من الجراح.