كتب بلقاسم جبار
تُظهر مداخلة وزير الاتصال زهير بوعمامة أن قطاع الإعلام في الجزائر يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز الانتقال من الممارسة التقليدية إلى صناعة إعلامية قائمة على الخبرة، الدقة، والتخصص. فخطاب الوزير، في جوهره، ليس مجرد دعوة تقنية، بل رسالة سياسية ومهنية تعكس تحوّلا في فلسفة الدولة تجاه دور الإعلام ووظيفته.
الوزير وضع إصبعه على الخلل الأكثر انتشارا داخل الممارسة الإعلامية: غياب التكوين العميق والاكتفاء بالنقل السريع للمعلومة دون آليات للتدقيق والتحليل.
وهو تشخيص مهم في زمن أصبحت فيه المؤسسات الإعلامية العالمية تعتمد غرف تحليلية تجمع بين الصحفيين والخبراء، بينما تتطلب المنافسة الرقمية نمطا جديدا من الصحافة المبنية على المعرفة لا على ردّ الفعل.
ما يلفت الانتباه في خطابه أن بوعمامة ربط بين الأداء المهني للإعلام الوطني وقدرته على مواجهة الحملات المعادية التي تستهدف صورة الجزائر.
هذا الربط يعكس إدراكا بأن معركة السمعة لم تعد تُكسب بالخطاب الإنشائي، بل بإعلام قادر على تقديم رواية موثوقة ومبنية على الوقائع، خصوصا في سياقات دولية تتغير بسرعة وتتداخل فيها السياسة بالاقتصاد بالمعلومة.
كما أن تشديده على التخصص — في التكنولوجيا، البيئة، الطاقة، الاقتصاديات الحديثة وغيرها — يعبّر عن وعي بأن مستقبل الصحافة لن يصنعه التعميم، بل القدرة على إنتاج محتوى دقيق ومُعمّق. وهذا التوجه يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية تطوير أقسام بحث وتكوين داخلي، وإلا ستظل خارج التحول العالمي نحو الإعلام المعرفي.
ولعل أهم ما يحمله خطاب الوزير أن إصلاح الإعلام لم يعد مجرد مشروع إداري؛ بل أصبح شرطا من شروط حماية الأمن المعرفي للبلاد.
فالتكوين الذي تحدث عنه ليس ترفا، وإنما ضرورة استراتيجية لمواكبة حجم المعلومات المتدفقة، والتي قد تتحول إلى أدوات ضغط أو تشويه إذا لم تجد إعلاما محترفا يحسن التعامل معها.
باختصار، قدم بوعمامة رؤية واضحة: إعلام دقيق، متخصص، مبني على الكفاءة، وقادر على الدفاع عن سرديته الوطنية بلغة الحقائق. ويبقى التحدي الحقيقي اليوم هو قدرة المؤسسات على الانتقال من مستوى التشخيص إلى الفعل، ومن مستوى النوايا إلى منظومة تدريب وصناعة إعلامية تواكب تطور العصر.