غياب القضية الفلسطينية في الخطاب السوري: صمت استراتيجي أم تكتيك سياسي؟
على الرغم من استمرار القصف الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة، يبرز غياب القضية الفلسطينية من خطابات القيادات السورية، سواء في حديث الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر النصر أو في تصريحات القيادات العسكرية الممثلة للشرعية الثورية.
يُظهر هذا الصمت المتعمد، الذي تبناه الثوار منذ دخول دمشق فاتحين في 08/12/2024، استراتيجية سياسية تتيح للنظام السابق ومناصريه استخدام القضية كوسيلة لقمع الشعوب العربية.
الصمت كسلاح واستراتيجية:
يُعتبر الصمت الحالي حول القضية الفلسطينية بمثابة مادة خصبة لأنصار النظام المخلوع، الذين يُروجون لفكرة أن ما يحدث في سورية هو جزء من مؤامرة أميركية إسرائيلية تهدف إلى كسر محور “المقاومة”. في هذا السياق، يتردد شعار أن القضية الفلسطينية تُستغل لقمع الشعوب العربية، وكأن حرية الشعوب شرط أساسي لتحرير فلسطين، مما يُظهر التناقض بين ماضي الشعب السوري الذي شارك في دعم المقاومة الفلسطينية وموقف الثوار الحالي.
الجذور التاريخية والقومية:
يتذكر الشعب السوري بفخر دوره التاريخي في دعم القضية الفلسطينية، إذ شارك منذ بدايات المقاومة في أعمال مسلحة برفقة رموز مثل الشيخ عز الدين القسام والعديد من الشخصيات البارزة مثل مصطفى السباعي وفوزي القاوقجي. كما أن المؤتمر السوري العام الذي أقيم في دمشق كان بمثابة منصة ضمت ممثلين من فلسطين والأردن ولبنان، مما يؤكد عمق الصلة بين القضية الفلسطينية والهوية الوطنية السورية.
انقسام الاستراتيجيات والتحالفات:
وجدت الثورة السورية نفسها في مأزق استراتيجي، مشابهةً لحركة حماس التي انسحبت من دمشق لتجنب أن تُظهر ولاءً لجريمة بشار الأسد. بينما يسعى النظام ومن سانده إلى تطهير سوريا من الثوار، يبقى التركيز على بناء دولة سورية قوية تؤمن حقوقها ضد التهديدات الخارجية، خاصة من العدو الصهيوني. ومن الجدير بالذكر أن النظام السوري باع “محور المقاومة” واختار مبادرات جديدة مثل المبادرة الإماراتية للدخول في المشروع الإبراهيمي، مما أثار ردود فعل عنيفة داخل الأوساط المعارضة.
التحركات الإقليمية والعسكرية:
لم تتوقف التحركات على الصعيد السياسي فقط، بل شهدت المنطقة عمليات عسكرية واسعة النطاق؛ ففي 11 ديسمبر/ كانون الثاني 2024، نفذ العدو الإسرائيلي أكبر عملية جوية استهدفت مناطق تمتد من دمشق إلى طرطوس، مما أرسل رسالة واضحة بمنع تسليح النظام الجديد. كما أثارت تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي كاتس، التي أعلن فيها بقاء قواته في قمّة جبل الشيخ والمناطق الأمنية من السويداء حتى دمشق، جدلاً حول محاولة إسرائيل توسيع نفوذها على الأراضي السورية.
أولويات القيادة السورية الجديدة:
يُعلن الرئيس السوري الجديد عن خمس أولويات رئيسية، تُؤجل فتح معركة مباشرة مع العدو الصهيوني حتى يتم بناء دولة سورية قوية قادرة على استرداد حقوقها، وذلك بعد إنهاء مرحلة الثورة والتحول إلى مرحلة البناء والاستقرار. هذا التوجه يُظهر أن المعركة ضد العدو الصهيوني ليست ملغاة بل مؤجلة حتى يتم الاستعداد الأمثل لمواجهته، في ظل تحذيرات من استمرار استفزازات الجانب الإسرائيلي سواء عبر التصريحات أو الإجراءات الميدانية.
أصوات الشعب والرفض الشعبي:
على الرغم من صمت القيادة في بعض القضايا، يبقى صوت الشعب السوري حاضرًا، إذ يُطالب المجتمع بتحرك حاسم لوحدة الوطن ودعم الجهات التي تُدين الاعتداءات العدوانية. ما يُبرز التناقض أن بعض الأصوات الشعبية تنتقد الهدوء الرسمي الذي يُفضي إلى تغذية الشائعات والتكهنات حول دوافع الحكومة في عدم التصريح بموقف واضح تجاه القضية الفلسطينية.